وتغيرت قواعد اللعبة

تابعنا على:   09:30 2019-06-22

معتصم حمادة

( الثالثة والأخيرة)

(1)

■ في مواصلة قراءة مواقف الدول العربية المدعوة لورشة البحرين:

• الأردن: لا جدال في أن الأردن تحتل، كدولة، موقعاً مميزاً في ملف القضية الفلسطينية، لعوامل عدة قد يضيق المجال لذكرها في هذا العرض، إن من زاوية التماس الجغرافي المباشر، أو التداخل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتجاري والمالي، فضلاً عن التاريخ الطويل والعميق بين الشعبين الشقيقين، الفلسطيني والأردني، إلى جانب وجود لا يقل عن 2.4 مليون لاجئ فلسطيني مقيم في الأردن، يتمتعون بالجنسية الأردنية منحت لهم في سياق تاريخي معين. إلى جانب أن الأردن هي المشرفة على الأماكن الدينية في القدس، وتمويل حوالي ألف من حراس الأقصى التابعين وظيفياً لوزارة الأوقاف الأردنية.

والأخطر في التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينها نتنياهو وحزب الليكود، لا تخفي أهدافها في تحويل الأردن إلى "الوطن البديل" للشعب الفلسطيني، وهو ما كشف عنه بوضوح في كتابه الشهير «مكان تحت الشمس». ولا يكف في العديد من المناسبات عن الإشارة إلى الموضوع، في سباق إعلان رفضه حق الفلسطينيين في تقرير المصير وقيام دولتهم المستقلة. ولعل سن «قانون القومية» العنصري الذي حصر حق تقرير المصير بالشعب "اليهودي" وحده، مؤشر بالغ الدلالة أن لا مكان لدولة وسيادة فلسطينية في المناطق المحتلة.

وليس خافياً على المراقبين أن الأردن عبرت عن استياء شديد من صفقة «ترامب ـ نتنياهو»، بدءاً من ملف القدس ووصولاً إلى ملف «ضم وتهويد» الضفة الفلسطينية، وشطب حق العودة، وشطب حق إقامة الدولة الفلسطينية. وهي كلها ملفات لها انعكاسها المباشر، في مجالات عديدة، على الحالة الأردنية، نقرأ صداها وتداعياتها في تعليقات الرسميين الأردنيين، وفي الإعلام الأردني الرسمي، وعلى صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويدرك الأردنيون أن الولايات المتحدة تعمل على الضغط على بلادهم، لتعديل موقفها من «صفقة ترامب»، سياسياً، وعبر ملف المساعدات المالية التي يتلقاها الأردن من أكثر من مؤسسة أميركية، ولم يعد خافياً أن ثمة أزمة اقتصادية خانقة تعيشها الأردن، ظهرت تداعياتها الصاخبة في التحركات الشعبية ضد بعض السياسات الاقتصادية للحكومة الأردنية السابقة، وتواصلت الاحتجاجات، بأشكال أخرى، مع الحكومة الحالية.

لذلك يرى المراقبون أن الأردن «لا تملك ترف التغيب» عن ورشة البحرين، فهي تعتبر نفسها معنية بالملف الإقليمي، والاقتصادي، والفلسطيني، ولا ترى أن موقعها يمكنها من التغيب. وإن كان المراقبون يتوقعون أن يكون التمثيل الأردني منخفضاً، ودون التوقعات الأميركية، رغم أن الأردن ترتبط بإسرائيل بمعاهدة وادي عربة. ■

(2)

المغرب: رغم المسافة الشاسعة بين المغرب وفلسطين، فإن العلاقات المغربية بالملف الفلسطيني لم تتوقف يوماً ما. ففي الإطار التاريخي لعبت الرباط دوراً في التقريب بين القاهرة في زمن السادات، وبين إسرائيل، ولا تخفي الوقائع المغربية أن بعض عناصر زيارة السادات إلى تل أبيب، وأن بعض عناصر معاهدة كامب ديفيد، بين القاهرة وتل أبيب، ولدت في الرباط.

فضلاً عن ذلك تتولى المغرب «رئاسة صندوق القدس» الذي تشكل بقرار من منظمة المؤتمر الإسلامي، وبالتالي تعتبر نفسها طرفاً معنياً بقضية القدس من هذه الزاوية.

إلى ذلك لا تخفي المغرب اتصالاتها المكشوفة مع بعض الدوائر الإسرائيلية، خاصة الشخصيات الإسرائيلية ذات الأصول المغربية، والتي لا تكف عن استغلال "جذورها" المغربية لزيارة المملكة، بدعوى زيارة الأماكن التي نشأت فيها أو عاش فيها آباؤها وأجدادها. وهو الأمر الذي فتح الباب لشكل من أشكال التطبيع، تتسع حدوده في الإجازات الصيفية حيث يزور المغرب آلاف الإسرائيليين اليهود ممن يحملون جنسية مزدوجة (المغربية والإسرائيلية معاً) وما زالوا يحتفظون بروابط عائلية وثقافية ودينية، واقتصادية مع امتداداتهم في المغرب، ومع أوساط غير يهودية في البلاد.

بناء عليه كان من المتوقع أن تشارك المغرب في ورشة البحرين، لتستكمل الولايات المتحدة دائرة الحصار العربي، من الخليج إلى المشرق، إلى المغرب؛ بحيث تبدو الحالة العربية حاضرة بقضها وقضيضها في الورشة إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. ■

(3)

■ على الصعيد الدولي سارعت موسكو إلى إعلان رفضها المشاركة في ورشة البحرين، فللعاصمة الروسية موقف مبدئي من «صفقة ترامب»، ترى فيها تجاوزاً لمبادئ القانون الدولي، ومحاولة لنسف قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وتكريس بدلاً منها حلول جائرة، لا تخدم سوى المشروع الصهيوني، وتتعامى عن مصالح الشعب الفلسطيني. وبالتالي وبناء على رفضها صفقة ترامب، وتطبيقاتها، رفضت الدعوة لورشة البحرين، وأكدت تمسكها بالحل السياسي الذي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود 4 حزيران، وحل قضية اللاجئين بموجب القرار 194 عملاً بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرم 19/67.

• بدورها رفضت بكين أية دعوة لورشة البحرين، وكان موقفها متطابقاً تماماً مع الموقف الروسي، وبما يخدم المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

• الاتحاد الأوروبي، أبدى «قلقه» من صفقة القرن، وأبدى موقفاً متردداً من الدعوة لحضور ورشة البحرين. إلا أن مصادر أوروبية في رام الله أوضحت ان الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يقف «مكتوف الأيدي» ويرفض الدعوة الأميركية. لذلك من المتوقع أن يكون للاتحاد الأوروبي حضور ما في ورشة البحرين.

• الأمم المتحدة: خلافاً لموقف سابق، أعلن الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن المنظمة الدولية ستلبي الدعوة لورشة البحرين. وهو موقف قرأ فيه بعض الخبراء القانونيين، مخالفة غير حميدة تلحق الضرر بالقضية الفلسطينية وبموقع المنظمة الدولية، التي يتسلح الفلسطينيون بقراراتها في معاركهم السياسية دفاعاً عن حقوقهم المشروعة، خاصة وأن م.ت.ف، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، أعلنت مقاطعتها للورشة، الأمر الذي يفرض على المنظمة الدولية الأخذ بالاعتبار أنها عنوان الشرعية الدولية، وما يحتم على الأمين العام للأمم المتحدة صون هذا العنوان.

يتخوف بعض المراقبين أن تدفع الولايات المتحدة بحضور الأمم المتحدة، لإسباغ «الشرعية الدولية» على ورشة البحرين، واعتماد قراراتها ووثائقها وثائق دولية رسمية على غرار تبنيها لاتفاق أوسلو. لكن أطرافاً فلسطينية تراهن على الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن لإجهاض هذه المحاولة، وإن كانت هذه المحاولة قد تلقى نتائج مغايرة في الجمعية العامة (إذا ما طرحت عليها) نظراً لموقف الدول العربية (والمسلمة) والتي ستشارك في الورشة. لذلك من الخطأ النظر إلى حضور الأمم المتحدة على أنه حضور بروتوكولي ليس إلا.■

(4)

إذن: بات المشهد واضحاً...

الأنظمة العربية لم تستجيب للنداء الفلسطيني بتوفير شبكة أمان مالية في مواجهة قرار إسرائيل السطو على أموال الضرائب الفلسطينية.

الأنظمة العربية لم تلتزم مبادرة السلام العربية، وتذهب إلى ورشة البحرين التي في بعض جوانبها التطبيع مع الجانب الإسرائيلي.

والأنظمة العربية لم تستجب للموقف الفلسطيني. وخالفت هذه المرة شعارها (الأغراض المكشوفة): نقبل بما يقبل به الفلسطينيون. قبلت الأنظمة العربية باتفاق أوسلو وبـ «السلام» مع إسرائيل باعتباره «خياراً» فلسطينياً، وهي اليوم لا تحترم القرار الوطني الفلسطيني بمقاطعة ورشة البحرين.

إذن: الحالة الفلسطينية في ظل حصار إقليمي، أميركي، إسرائيلي، تشارك فيه أنظمة عربية.

هل معنى ذلك أن هذا الحصار لا يمكن كسره؟ وهل معنى ذلك أنه ليس بيد القيادة الرسمية والتي بيدها زمام القرار، أن تقلب الطاولة وأن تكسر الحصار بسلسلة من القرارات؟

نجزم بكل شدة أن بالإمكان، بل ويجب اغتنام واللجوء إلى كل وسائل القوة لكسر هذا الحصار. وعدم النوم على مخدة أمان وهمية، خاصة وأن الحالة الفلسطينية تملك الكثير من عناصر القوة المميزة هذه المرة.

في مقدمها:

• وحدة الموقف الوطني الفلسطيني، على الصعيد الشعبي، والقوى السياسية والقيادة الرسمية، في رفض صفقة ترامب، وفي رفض المشاركة في ورشة البحرين. لقد تجاوزت القوى السياسية قضايا الخلاف، واتفقت على نقطة مركزية محورها رفض الصفقة وتداعياتها. وهذا يشكل أساساً متيناً لخطوات لاحقة.

• سلسلة القرارات التي اتخذها المجلس المركزي في دورتيه الـ 27 والـ 28، والمجلس الوطني في الدورة الـ23، وقرارات اللجنة التنفيذية، بقطع الصلة مع اتفاق أوسلو بروتوكول باريس والتزاماتهما وقيودهما، بما في ذلك سحب الاعتراف بدولة إسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، وفك الارتباط الاقتصادي بإسرائيل، والذهاب إلى الانتفاضة والمقاومة الشعبية الشاملة، ونقل القضية إلى الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.

• جاهزية جماهيرية عالية المستوى، يجري التعبير عنها بقوة في مسيرات العودة وكسر الحصار في قطاع غزة، وفي العمليات الفردية، ونقاط الاشتباك الدائم مع سلطات الاحتلال في أنحاء الضفة الفلسطينية المحتلة.

• حالة شعبية عربية ناهضة جاهزة لاستقبال قرار الصدام والاشتباك الميداني الفلسطيني مع الاحتلال والاستيطان وصفقة القرن وسياسات التطبيع مع إسرائيل.

وبالتالي:

لا مهرب من القول إن الكرة في ملعب القيادة الرسمية الفلسطينية. وقد حانت فرصة جديدة أمامها لتستعيد ثقة الشارع وقواه السياسية. وفي هذا السياق يصبح لزاماً على القيادة الرسمية أن توازي بين خطواتها لتنقية الأجواء الداخلية من خلال:

1) العمل على تصويب العلاقات داخل م.ت.ف، عبر مراجعة نقدية لسلسلة الخطوات الفردية والمنفردة، وإعادة الاعتبار لمبادئ الائتلاف الوطني، وشروط نجاحه، وتكريس سياسة مبدأ الشراكة الوطنية، بما في ذلك التراجع عن القرارات المنفردة دون استثناء.

2) إعادة الاعتبار لدور وفعالية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تسليحها بصلاحياتها كافة بما في ذلك استعادة الدوائر التي انتزعت منها.

3) إنهاء الانقسام عبر عملية ديمقراطية من خلال حكومة وحدة وطنية لفترة انتقالية، تشرف على انتخابات شاملة رئاسية وتشريعية للمجلس الوطني والتشريعي، بنظام التمثيل النسبي، تعيد بناء المؤسسة الوطنية وتعزز الموقع السياسي والتمثيلي لمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

كلمات دلالية

اخر الأخبار