هل تنبأ أحمد الشقيري بصفقة القرن قبل 45 سنة؟

تابعنا على:   12:55 2020-06-03

محمود التميمي

أمد/ عندما كتب الرئيس الأول للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في ديسمبر من العام 1975م، تنبؤاته لما بعد العام 2000م، ولناصية القرن الحادي والعشرين، حرص على تبيان انه لا يخوض في العرافة والكهانة، ولا يبني رؤياه على عواطف مندفعة وتقديرات مرتجلة، وإنما على مطالعة واقعية وعلمية، تحاول استلهام الماضي والحاضر واستقراء المستقبل.

وبغض النظر عما إذا كان قد أصاب أو أخطأ في توقعاته للاتجاهات العامة، ومنحنيات صعود وهبوط القوى الأساسية في المنطقة والعوامل المؤثرة فيها، وفي قياس سرعة التحولات ونتائجها، إلا أن رؤيته اعتراها مأخذان: الأول - احسانه الظن بأمته وقدراتها، بأفضل مما أمكن لها ان تصنع حتى الآن بالفعل، والثاني -تفاؤله ويقينه التام، رغم الهزائم والنكسات المتلاحقة، وهو تفاؤلٌ لربما سيتفق في النهاية مع ما قد تؤول اليه الأحداث القادمة، وإن تأخرت عما قدَّر لها بالوقت والزمن.

وحصراً لموضوعنا، المتصل بالملامح الأساسية لصفقة القرن، فإن الأستاذ أحمد الشقيري، رحمه الله، وهو السياسي وخبير القانون الدولي القدير والمجرب، والكاتب والمفكر، الموســـوعي المعرفة، أدرك أن “التسوية، وبعد أن تتم الألف خطوة بعد خطوة" بحسب قوله، ولعله تلخيصٌ بليغٌ لدوامة المفاوضات والمؤتمرات والاتفاقيات، التي لا نهاية لها، منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن، فإن " حل أزمة الشرق الأوسط "   سيكون في غُرة القرن الحادي والعشرين " على الوجه الآتي": 

أولا- الجلاء عن كل أو معظم، أو بعض سيناء والجولان تحت شروط مخلة بالسيادة العربية.

ثانياً – الانسحاب عن الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن يعمل المقص الإسرائيلي في " قصقصة " الأطراف تحت شعار الحدود الأمنة، بحيث يكون الباقي خالياً من المقومات الاقتصادية والدفاعية، ولا يستوعب أهله الذين يقيمون فيه، فيضطرون للنزوح الى الخارج طلبا للعمل، أو الانسياب إلى " إسرائيل " أجراء مبتذلين في المزارع والمصانع اليهودية.

ثالثا – بقاء القدس بكاملها، القديمة والحديثة، تحت الاحتلال الإسرائيلي، فإسرائيل لا تخرج من أي منهما إلا بحرب طاحنة، لا بتسوية أمريكية.

رابعاً –استمرار تشريد مليونين من الشعب الفلسطيني، من الذين أخرجوا من ديارهم ومدنهم وقراهم في عامي 1948و 1967م وما بينهما.

خامساً – وهو موضوعٌ، قل ما يُلتفت اليه، وأعني (والكلام طبعا للأستاذ الشقيري) الاعتراف بسيادة إسرائيل على ما لا يقل عن خمسة آلاف كيلو متر مربع من الأراضي الفلسطينية الواقعة بين خطوط التقسيم لعام 1947م وخطوط يونيو 1967م، وهذه المساحة لم يشملها أي قرار لصالح إسرائيل.. بل هي على العكس تابعة للدولة العربية التي خصصتها الأمم المتحدة لعرب فلسطين في قرار التقسيم لعام 1947م.

سادساً – إقامة دولة فلسطينية فاقدة مقومات الدولة، تحت رحمة إسرائيل، ولا تصلح في أحسن الأحوال إلا أن تكون معسكراً للاجئين.

سابعاً – السماح بالملاحة الإسرائيلية في قناة السويس، وخليج العقبة، كحق شرعي بالنسبة للبضائع والبواخر الإسرائيلية، وتحت علم إسرائيل.

ثامناً – وهو الواقع أولا.. توقيع اتفاقية صلح مع إسرائيل، وإنهاء حالة الحرب بين الأمة العربية والشعب الفلسطيني من جانب وإسرائيل من جانب أخر.. والاعتراف بشرعية السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، والغاء المطالب والادعاءات المتصلة بالقضية الفلسطينية، والتعايش السلمي مع إسرائيل.

 

... وبهذه النقاط الثمان ، يكون المرحوم الشقيري ، قد استشرف بالفعل ، أو كاد ، شكل الصفقة الأمريكية التي نقارعها اليوم ، على نحو لا يحتاج لأية إضافة أو تعديل، إلا في النقطة الرابعة، بتحديث رقم المليونين لاجئ الذين تحدث عنهم، وصاروا اليوم زهاء سبعة ملايين، والنقطة الخامسة، بالنسبة للأراضي التي جرى الاستيلاء عليها خلال الفترة ما بين قرار التقسيم لعام 1947م ونكسة عام 1967م ، والتي، وإن كان من غير الممكن المطالبة بها كاملة  على اساس التسوية المستندة لخطوط الرابع من حزيران 1967م، فبالإمكان التسلح بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص جدار الفصل العنصري، للمطالبة بجزء منها، اعتمادا على تثبيته لخطوط الهدنة لعام 1949م، باعتبارها نفسها،. خطوط الرابع من حزيران.

.. ولكن ماذا عن الموقف الفلسطيني من هذه " التسوية" وماذا عن الموقف العربي؟

يجيب الأستاذ الشقيري: " واشفاقاً على عقل أي عربي ووجدانه، حاكما كان أو محكوما، أكاد أكون على ما يشبه اليقين، أن مثل هذه التسوية لن يجرؤ على توقيعها أحد.. ولكن إذا تم توقيعها من هذه الحكومة أو تلك، وهذا الأمر ليس لنا أن نستبعده من أجل سلامة القضية العربية، فلا شك أن الأمة العربية سترفضها، وسيرفضها الشعب الفلسطيني.. ومن هنا ستكون حافزا جديدا للحرب، بالإضافة الى صلب القضية التي هي الحافز الأول والأخير."

إلى هنا انتهى كلام المرحوم الشقيري، الذي لا يسعنا في ذكرى مرور 56 عاماً على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن نذكره بعميق الاحترام والاجلال، وأن نقدر له حرصه على أن يحمي أهله وشعبه حياً وميتاً، وأن يترك لنا ما يقيل عنا عثرات الطريق، ووعثاء الدرب، ويحذرنا من مكامن الخطر.

إنما و بقدر ما اسعدني كقارئ عربي فلسطيني، ان اجد في مخزون ما ترك لنا، هذه الوديعة القيمة، و الرسالة القادمة عبر الزمن، والوصية الناصحة المرشدة ،بقدر ما خالجني حزنٌ وألمٌ، لعزوفنا عن أن نقرأ  بما يكفي ،ولعَنتِنا و كِبرنا عن أن نصغي ونتعلم بقدر ما نحتاج ، ولفرط اعتدادنا بأنفسنا ، واستعظام براعتنا و فطنتنا، قياسا بمن اجتهدوا وجربوا قبلنا  ، فلا نراكم التجارب و الدروس كما يجب، ولا نمحص فيها كما ينبغي ، والا لكنا وفرنا على أنفسنا كثيرا من الوقت والجهد، و لتفادينا كثيرا من المصائب والمحن، و لأطبقنا على أعدائنا  بأشد مما نطبق ، وأفلتنا من براثنهم بأقل الخسائر وأدنى ضرر.

وإلا فالرجل حذرنا جميعا، دولا، وهيئات، ومنظمات، وفصائل، وقادة، وخبراء، وكتاب، وقراء، ونشطاء، ومناضلين، من أن نقع رهينة “اللاحرب واللا سلم “أو رهينة " تسوية سياسية لا عادلة ولا شريفة “. "فلا تسوية مع بقاء العدوان والاحتلال "، كما يقول.

والرجل يخبرنا أن الولايات المتحدة عدو، و “العدو لا يكون وسيطاً "، وأنها كما يصفُ حرفياً " ستكون على وجه اليقين، فريقاً محارباً في حرب المستقبل (يقصد الحاضر: القرن الحادي والعشرين) بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتحول دون تحرير فلسطين، لتبقى إسرائيل الدولة آمنة مطمئنة، خصوصاً أن أمريكا هي صانعة إسرائيل وصانعة الشعار: " أن إسرائيل وجدت لتبقى ".

ثم يختم بهذا المقطع: " وإني لأرجو هنا، وأنا أكتب ما أكتب الآن (في شهر ديسمبر 1974م) أن يعرف المواطن العربي، أني قاربت على السبعين من عمري، وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً، وتمرست بالحياة الدولية سنين طويلة من عمري.. كما أني في هذه السن لا أكتب مزاودا على أحد، ملكا أو رئيسا أو زعيما، ولا أحسد أحدا على أي موقع في هذا المستنقع الكبير الذي انزلقت اليه القضية العربية.. أريد أن أقول فيما أكتب الآن، عن عقل وبصيرة وتجربة، أن حرب المستقبل سواء كانت حرباً طويلة، أو مجموعة من الحروب المتواصلة سيخوضها الحكم العربي، على أساس أن أمريكا فريق فيها يساند إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر.. وأريد أن أقول كذلك أن الأمة العربية قادرة على أن تخوض هذه الحرب على هذا الأساس ".

لم يخطئ الرجل في أن أمريكا في القرن الحادي والعشرين نزلت لميدان الحرب بنفسها، فهي بالفعل دمرت واحتلت العراق، ليس لامتلاكه أسلحة دمار شامل، ثبت عدم وجودها، والكذب بِشأنها، وقصفت سوريا وليبيا وغيرها، وجندت ومولت الحروب الأهلية، والعصابات المسلحة، لتمزيق الدول، وافناء الجيوش، حفاظاً على بقاء إسرائيل وتفوقها.

وكذلك فعلت في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بتسخير الفيتو، والضغط على الدول والمنظمات وتهديدها، والانسحاب منها ووقف المساهمات فيها ولا زالت تفعل.

والأمر نفسه في " صفقة ترامب “، التي تبنت المشاريع والخطط الإسرائيلية منذ مشروع ألون في يونيو 1967م وحتى أحدث صياغة، وأخر سطر في برامج الأحزاب الصهيونية.

وإذن، فإن الرجل قد ترك لنا خلاصة تجاربه، وحصيلة خبراته، وكذلك فعل قادة الحركة الوطنية الفلسطينية ورموز ثورتنا العملاقة وشهدائنا العظام الأبرار، لنهتدي بنور كلماتهم، ونسير على دروبهم، وها نحن، نقف بعزة وإباء في وجه الصفقة، ونتقدم، قيادة، وفصائلا وشعبا للأمام خطوة كبيرة أخرى، بطي صفحة أوسلو ومخلفاته، والتحلل من التزاماته، فما الذي يريده هذا الشعب، بحسب ظني المتواضع، وما الذي لا يريده:

- نريد أن يكون التصدي لصفقة ترامب، وقطع العلاقات والاتصالات مع الولايات المتحدة، فرصة لإعادة النظر بالعملية السلمية برمتها، ولإعلان فشلها وأنه لايوجد شريك إسرائيلي للسلام، ونقطة تحول وانطلاق، للخروج من الصندوق، وابتكار وسائل وأدوات مواكبة للزمن والصراع، واعتبار المُحرَّم الوحيد هو الجمود والمراوحة.

- نريد مؤتمراً دولياً للسلام، يمتلك صلاحيات المحاسبة والمساءلة وتحديد الجهة المعتدية والجهة المعتدى عليها، وأدوات إلزام الاحتلال بالجلاء، وتنفيذ القرارات الدولية، ولا نريد نسخة جديدة للمؤتمرات الاستعراضية عديمة الجدوى.

- نريد المفاوضات، فقط في حالة وجود شريك إسرائيلي، يقبل بالحقوق الفلسطينية كاملة غير منقوصة، وبدولتين على حدود الرابع من حزيران، وبجدول زمني لإنهاء الاحتلال دون مراوغة ، ولا نريد العودة لمفاوضات لا آفق لها ولا طائل منها.

- نريد سلطة وطنية فلسطينية، تتطور لدولة، ولا تتحول لوكالة غوث وتشغيل آخرى، ولانريد النجاح لمخططات الأذناب والعملاء لإفقاد السلطة هيبتها وإعادة الإدارة المدنية والعسكرية الإسرائيلية لممارسة أدوارها القذرة.

- نريد مواصلة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني لتثبيت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وللمحافظة على المركز القانوني لمنظمة التحرير ولدولة فلسطين وتعزيزه، ولا نريد لهذا العمل ان يكون معزولا أو بديلا عن العمل الشعبي والتنظيمي الواسع والمؤثر والمستمر على الأرض باعتباره مصدر القوة وشكل النضال الأساسي.

- نريد تحللا وانفكاكا كاملا وانسحابا منضبطا ومنظما من الاتفاقيات والعهود والالتزامات، ولا نريد فوضى وضياعا واندفاعا غير محسوب لاتجاهات مجهولة.

- نريد أن يكون وقف العمل بالاتفاقيات كاملا، ولا نريد أن يستبدل التنسيق، بالحفاظ على ذات الالتزامات، والقيام بنفس الأعمال، ولكن من طرف واحد.

- نريد المحافظة على كل مكتسباتنا ولا نريد حل السلطة وهدر إنجازاتنا الوطنية.

- نريد مقاومة شعبية منظمة وحاشدة ومستمرة، ولا نريد مجرد شعارات وبضعة مسيرات وتجمعات مبعثرة ومعزولة.

- نريد ارباك دولة الاحتلال وحرمانها من السكينة والراحة، ولا نريد للمحتل والمستوطن أن يطمئن ويتعامل مع قضيتنا كموضوع ثانوي وجانبي.

- نريد حشدا وزجا للطاقات الفلسطينية في كل المجالات، ولكل الشعب الفلسطيني في العالم، ولا نريد تفرقاً وتشرذما وساحات متفرجة ومشلولة.

- نريد اعتزازا بهويتنا، واحتراما لتاريخنا ورموزنا الوطنية، وحوارا صادقا ومخلصا، ونقدا أمينا ومجديا، ولا نريد طابورا خامسا، أو نفاقا أو تنطعاً.

ونريد .. ونريد .. ونريد .. ونترك صياغة ما نريد لفصائلنا وطلائعنا السياسية، ولانزال على أمل، وعلى ثقة بقدرتها على التجديد والابتكار وبلوغ أهدافنا الوطنية، ولن نكون بأي حال، أقل يقينا بالنصر والتحرير، من المرحوم أحمد الشقيري، الذي حرص في وصيته أن يدفن على تخوم فلسطين، الى جانب قبر الصحابي الجليل، أبو عبيدة بن الجراح، قائد جيوش الفتح وأمين هذه الأمة.           

[email protected]