الحِلُّ ليسَ هُوَ الحَلُ!

تابعنا على:   01:08 2020-06-04

أمد/ إنّ تحَريّ الحَقيقةِ منْ عَدَمِها؛ يُركنّ إلى مواءمةُ الأقْوالِ بالأفعالِ ؛ فإنْ صحتْ الأخيرةُ تصّحُ الأولى ؛ أما إذا كان الأمر عكاساً ؛ فمن باب حُسنِ النية فَما عَلينا إلا الانتظارْ؛ لكي نقارن الأقوالَ بالأفعال..

هذا من باب حسنِ النيةِ فقطْ؛ أما إذا تحدّثنا عن تاريخِ التجربة فهو مريرٌ جداً، فقَدْ لُدِغنا مِنْ ذاتِ الجُحرُ ما يزيدُ على مرتينِ ؛ وليسَ في تجرُبة المجرّبِ إلا خِفةّ العَقلِ وضَياعُ العُمْرِ!

شهرزاديةُ الأداءِ ؛ جعلتْ من الحالة الفلسطينية أشبهُ ما تكونُ بكتابِ " ألفِ ليلةٍ وليلة "؛ تمرُ ليلةٌ تلوَ ليلةٍ، والملكُ " شهريار " ينتظرُ - بدافعِ الفضولِ تارةً و جمالِ السردِ تارةً أخرى - نهايةَ الحكَايةِ الجديدةِ.

لكنّ الرَاويّ الفذّ فِي حِكايَتنا؛ أسلوبهُ أكثرُ جَذباً وتَشوِيقاً منْ أسْلوبِ " شَهرزادَ " جارَيةِ المَلكْ ، فهوَ أبدّعُ مِنها فِي مَشْقِ الأحداثِ ؛ ودَرءِ النهاياتْ!

ليلةٌ بعد الألف لَيلة، تَسقُطُ الحِكَايَةُ حيثُ شِيءَ لها أنْ تَسْقُطَ ؛ ومَا عادَ يفِيدُ " شَهرزادَ " انبِلاجُ ضُوءِ الصَبَاحِ ؛ وَلا سُكُوتها المَاكِرُ عَنِ الكلامِ المُباحِ..

تَرتيبُ الأحْداثِ، يُنذِرُ بدُنوِ النهايّةِ الدرَامَاتيكيَةِ؛ واقترابِ مَوعِد اللَيلةِ الأخِيرةِ ؛ التِي حَاولَت الجَاريّةّ الفَطِنَة عَبثاً أنْ تؤجِلهُ إلى أجَلٍ غيرِ مُسَمى!

بدايةُ حِكَايةِ التَنْسيقُ الأمنِيُ؛ كانَتْ عِندَما بزَغَ فَجرُهّ بعدَ إنهاءِ مَراسمِ توقيعِ العَقدِ فِي مَدِينَةِ أوُسلو النَروِيجية؛ ليَكُونَ رِئَةَ السُلْطَة الفِلَسْطينِيَة التِي وُلِدَت بِهَا آنَذَاك. وَهذا مَا يدفعنِي لاختِيارِ مُصطلحِ العَقد عَلى الاتِفاقْ ؛ فالاتفاقُ أشْمَلُ فِي مَوضوعَاته ؛ وَ أوْسَعُ فِي تَفصِيلاتِهِ ؛ أمَا العَقدُ فيَتناوَلُ مُحَدَداً لذَاتهِ.

ورَغمَ تَناوُلِ "أوسلو" فِي طَيَاتِها مَوضوعاتٍ أكثرَ من موضوعِ الأمنْ؛ إلا أنّ هذا الأخيرْ كانَ هُوَ الجوْهرْ؛ وما زادَ عنهُ مِنْ موضوعاتِ الشُؤونِ المَدنيةِ والاجتماعيَة؛ هو في الحَقيقةِ أُعِدّ كمِنحَةٌ لِجُودةِ الأداءَ الفَلسْطِينيِ؛ فِي الجَانِبِ الأمنيِ!

تَجرِبةُ الانتفاضةِ الفَلسطِينيةُ الثانِيةُ؛ كانَتْ الدَليلَ الأكبَرَ عَلى أنّ جَوهرُ العَقدِ هَو حُسنِ إدَارةِ الجانِبِ الفلسطِينيِ لمَنظُومَةِ الأمْنِ ؛ والحِفَاظِ عَلى الهُدوءِ والاستِقرارِ -مَهما كَلّفَ الأمْرُ-، وفِي حالِ الإخْلالِ بِشرْطِ العَقدِ الأوْحدِ؛ فإنّ إسْرَائيلَ لنْ تَتوانَى عَنْ التدخُلِ منْ أجْلِ إعَادَةِ الأمُورِ للمسَارِ الذِي تَراهُ صَحِيحَاً؛ وقَد يَصلُ هذا التَدخلُ لأنْ يَكُونَ عَسْكَرياً..

مَا يَهُمُ إسْرَائيلَ بِالفِعلْ؛ هُوَ مَا يحدُثُ عَلى الأرْضْ؛ أكثرَ مِنْ أيّ شيءٍ آخرْ. فَإنّ خِطَابَ الحِلِّ لا يُأَرِقُهَا ؛ طَالمَا أنّ الأمورَ على الأرْضِ ما زالتْ هَادِئةٌ ومُستقرةٌ؛ الأمْرَ الذي يَجعلّ التنسِيقَ الأَمنيَ لَا يغيريها كمِا في سَالِفِ الوقتِ..

عَباسُ الذي تَلا عَلَينا مُؤخَراً؛ خِطَابَ الحِلِّ، هُوَ صَاحِبُ التَوقيعِ عَلى عَقْدَ الأمْن مُقابِلَ المِنَحِ المُقتضَبةِ مَدَنياً؛ اجتماعياً؛ وَسِياسَياً؛ -وهيِ باعتِرافِ من شَهدَ العَمَليةِ التَفاوُضِيةِ أقلُ مَا تَمَ التفَاوضُ عليْهِ فِي حِينِهِ-.

يُدْرِكُ رَئِيسُ السُلطَةِ فِي رَام الله جَيِداً؛ بِأنّ أيّ خَيارٍ مِنْ شَأنِهِ أنْ يُؤدِي إِلى التِهابِ الشَارعِ الفَلسْطيني وانفجارِهِ؛ هُو بمثابَةِ قرارٍ بالمُوَاجَهةِ المباشَرةِ مَع إسْرَائيلْ؛ وأنّ أيّ إخلالٍ بِبنودِ العَقدِ/ الصَفقةِ يَستلزِمُ لاحقاً إفعالَ الشروطِ الجزائيةِ؛ وَهُوَ مَا لمْ وَلنْ يَختَارهُ عَباسْ. لِذَلكَ فَقدَ أتبعَ خطابَهُ ؛ برَسائِلَ تُؤَكٍدُ التزامَهُ بالحِفاظِ عَلى الهُدوءِ والاسْتِقرارْ.

أوُسْلو ؛ أو كما أُسْمِيه "فكيُّ التمساحْ" ؛ لَمْ يُكنْ إلا شيئاُ يَلْمَعُ لكِنّه مِنَ المُؤكدِ أنّهُ لمْ يَكُن ذَهَبَاً. هُوَ في النِهايَةِ؛ كمَا جاءَ فِي ثَناياهِ "مَرحلِيٌ" ؛ يَنتَهي كَما بَدَأَ بِسطْوةِ القَاضِي والجَلادْ؛ وهَا هُوَ الجلادُ يجهزُ جيشه لفرضِ السَيطرةِ على مَناطقِ الضِفَة الغرْبيةِ..

لا يَملكُ أصحَابُ القرارِ في رامَ الله؛ أيّ خطةٍ وطنيةٍ مِنْ شَأنِها أنْ تُعزِزَ خِطابَ الحِلِّ؛ كوْنهم يَعلَمُونَ بَأنّ وَظائِفهُم مُرتَبِطةٌ باسْتِمرَاريةِ الالتِزَامِ بمَبادئِ الاتفاقياتِ الأمنِيةِ - في المَقامِ الأوَلِ- وَالتِي قدّسها صَاحبُ الخِطَابِ نفسُهُ طِيلةَ سَنَواتِ ترؤسهِ للسُلطةِ مِنْ جَانِبٍ؛ وليقينهم التامْ بأنّهُ لا بَديلَ لشُباكِ أُوُسْلو مٍنْ جانِبٍ آخَرَ..

عباسْ الذي هو اليَومُ أضعفَ من أيّ وقتٍ مضى؛ ما زالَ مُصِراً على تفردِهِ بالقرارِ الفلسطينيِ - كما فعلَ لسنواتٍ طويلةٍ- ؛ مكرراً ذاتَ النهج الخاطئِ . فالرَجلْ يريدُ أنْ يديرَ دفةَ القيادةِ لوحدِه ؛ حتى فِي أحلكِ الظرُوف وأشَدّها تعقيداً. لكنّ هذهِ المرةَ؛ تختلفُ عن سَابِقاتِها، فمَنْ منَحَهُ سطوَةَ فَرْدُّ يَدهِ الغليظةِ؛ وحافظَ على أمَانِ كُرسيِه طيلةَ هذه السنينْ؛ أصْبح اليومُ غير ممتنٍ أبَداَ لسنواتِ حكمهِ الأربَعةَ عَشَرْ!

ليْسَ الحِلُّ هُوَ الحَلُ -فِي هَذَا المَقامْ-؛ طَالما أنّهُ مُرتَبطٌ بحَاجَاتِ النَاسِ المَدَنيةِ وَالاجتِماعيَةِ؛ فَالعَاهِرةُ لا يمكنُ تَهدِيدُها بانْتِزاعِ الشَرَفِ؛ خَاصَةً بَعدَ أنْ أصبَحَتْ عاهِرةً مُتمرِسةً تُجِيدُ مِهنَةَ البِغَاءِ!

أكثَرُ الأمُورِ تراجيديا في عَالمِ السِيَاسَةِ، بُلوغُ النِهَايةِ؛ النِهايُةُ التي يفقِدُ بها صَاحبُ السُلطةِ سُلطَتهُ، رئيسُ السُلطةِ الذي اقتَربَ مِن نِهاية العُمرِ أيْضاً؛ لَمْ يُسعِفهُ سِوَى الخِطابْ؛ مُتأسَفاً فِي دَخيلَةِ نَفسِهِ عَلى مَا زَرعَ وَعَلى مَا حَصَدْ!