الخروج من الظل

تابعنا على:   14:32 2020-06-21

طارق زيدان

أمد/ الجغرافيا هي أعظم ديكتاتور في التاريخ. هي الحاكم الوحيد الذي لم ينجح أحد في الانقلاب عليه.

كلّما جَرُؤَ أحدهم على الإهمال أو الانقلاب عليه، سواءٌ أكان سياسياً أم اقتصادياً أم شاعراً أم مؤرّخاً، كان للديكتاتور كلمته الأخيرة في الأمر. وكان له انتقامه العنيف ولو بعد حين. فالجغرافيا تُمهل ولا تُهمل. هي الديكتاتور العادل والقائد المخلَّد، ثم يأتي كل من كُتب عنه في صفحات التاريخ.

صفحات متعدّدة في المراجع سجّلت الرموز السياسية (قحطان وعدنان، قيس ويمن) وأمجاد قادتها بأنهم صناع للتاريخ. مما يلغي العلاقة بين الإنسان والطبيعة. العلاقة التي يكتفي التراث بسرد ظاهرها، لتبقى مهمّة استنطاق التاريخ مختبئة بين السطور، فيتّكئ المؤرّخ أو الباحث على لسان الجغرافيا ليقرأ أسباب الحدث، لا الحدث نفسه.

من أجل ذلك تربّعت الجغرافيا سيداً حراً مستقلاً على باقي صنوف المعرفة. لسانها يتكلم بلغة واحدة مهما تعدّدت الثقافات واللغات.

ليس أدلّ على ذلك من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في بلاد الشام (سواحل سوريا ولبنان وفلسطين). تعدّدت لغاته وثقافاته على مر التاريخ: فينيقية وبيزنطية وعربية/ إسلامية وعثمانية ثم فرنسية، لترسو في هذا الزمن على الإنكليزية لغةً، والأميركية ثقافةً. إلّا أنّ التاريخ مدفوعاً بالجغرافيا سجّل لشعب المنطقة “الشخصية الماركنتالية”، الشخصية التي تجيد عقد الصفقات في جميع شؤون الحياة، وكل ما يلحق بها من سياسة واقتصاد وفنّ وأدب. في مقابل الشخصية المتمردة على الصفقات في جبال الشام الممتدة بمحاذاة الساحل (جبال العلويين وجبل لبنان وجبل فلسطين).

ومن خلال السياق ذاته ستظهر لنا جلياً النتيجة نفسها إن تتبّعنا سيرة نهر النيل وتأثيرها في أرض مصر. منذ الفراعنة حتى اليوم كتب التاريخ شخصية مصرية عنوانها النهر الخالد. النهر العظيم الذي يصنع الزعيم والكبير وسي السيّد والعمدة في حارة واحدة تختصر العالم في الشخصية المصرية. وهو ما عكسه بعبقرية الأديب نجيب محفوظ في رواياته، أو لربما ما نطقت به شخصية المكان من خلال قلم الأديب محفوظ. كله سيّان.

وكيف أنطق الجغرافي المصري جمال حمدان هوى أرض مصر المشرقي من خلال اتجاه جريان ماء النيل شمالا مع ميل إلى الضفة الشرقية منه، مستنتجاً أنه ليس مهمّاً عرق حاكم النيل ولا دينه وجنسه ولقبه. فكل حاكم، سواء أكان الفرعون رمسيس الثاني أو الملكة كليوباترا أو الوالي عمرو بن العاص، أو الملكة شجرة الدرّ أو الباشا محمد علي، وصولاً إلى الريس جمال عبد الناصر، كلهم من دون استثناء ما يهمّ لديهم في إدارة شؤون الحكم هو أنّ أهل مصر شرقيو الهوى.

قد يدّعي البعض أن في ذلك اختزالاً لشخصية مدينة الاسكندرية ولما تمثّله من حضارة وعراقة في التاريخ. الجواب ببساطة أنّ نهر النيل في آخر رحلته الجغرافية عند البحر لا ضفاف له. هو يمرّ بالدلتا المتشعّبة ليصبّ ما يحمله في حوض البحر الأبيض المتوسط مروراً بمدينة الاسكندرية. لذلك تذوب شخصية نهر النيل في نهاية سفرها لتبرز مكانها شخصية بحرية جديدة عنوانها الأبيض المتوسط.

إذاً هي العلاقة بين التاريخ والجغرافيا التي تستنطق التراث. كما لو أن هذه العلاقة هي ريشة الفنان الذي يرسم اللوحة التراثية التي نقرأ أحرفها في المراجع والكتب. وفي كل موقع على الخريطة يمكننا تتبّع العلاقة بين التاريخ والجغرافيا، وما تُنتجه من تراث.

التضاريس ريشة اللوحة التراثية

ينقلنا الحديث عن علاقة الجغرافيا بالتاريخ إلى مستوى آخر في النقاش. إلى مستوى أعمق من ثنائية الحدث وأسبابه، بعيداً من الدور الفردي والرموز السياسية، اللذين يطغيان على حساب منطق التاريخ وحركته. ومن الغواية التي تمارسها هذه العلاقة الاعتقاد أن التاريخ يصنع، في حين أن التاريخ هو ظل الجغرافيا على الأرض.

أساساً لا يمكن الحديث عن التاريخ السياسي العربي وصناعة التراث من دون درس علوم الجغرافيا. والغوص في هذه العلاقة يصل بالباحث إلى حدود قمة الفكر الاستراتيجي، حيث تُفصح القمة عن شخصية المكان لا عن قصته فقط. هذه القمة التي تكمن بين السطور في المراجع والكتب، وفي استنباط الأحداث بقراءة للتاريخ بعيون الجغرافيا.

القمة التي يصعد إليها القارئ درجة بعد درجة من خلال التضاريس الجغرافية. وكلما صعدنا خطوة ظهرت لنا عتبات أكثر، فسلّم الجغرافيا هو سلسلة التضاريس المتشابكة في الأرض. كأنها سلم كهربائي، حين تتفاعل التضاريس مع الأحداث تتحرّك الجغرافيا، أو كما يصفها العلماء تصبح “الجغرافيا المتحركة”.

هي الجغرافيا المتحركة، أو شخصية الجغرافيا التي تُجبرنا على تحليل سيكولوجية التضاريس الثرية والمثيرة في آن واحد، وهو مجال خاض فيه المؤرّخون حديثاً، بدءاً من الجغرافيّ سيريل فوكس في كتابه الغني “شخصية بريطانيا”، مروراً بكتاب لا فيس عن التاريخ الفرنسي والمعنون “شخصية فرنسا الجغرافية”. هذا من دون إغفال أعمال مهمّة غربية لمؤرّخين آخرين، عرفت دور الجغرافيا في بناء الجانب السيكولوجي للشعوب، منهم ماكيندر في مؤلَّفه “بريطانيا والبحار البريطانية”.

أما في العالم العربي، فلم أجد بحثاً أو مجموعة مقالات اهتمت بالعلاقة بين التاريخ والجغرافيا في بناء شخصية المكان كمؤرّخي مصر، وعلى رأسهم الجغرافي والأركيولوجي البارع الدكتور جمال حمدان في مجلّده الفاخر “شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان”. وهو منحى تسلّم شعلته ممّن سبقه من مفكّري مصر، كحسين مؤنس في كتابه “مصر ورسالتها”. وشفيق غربال في “تكوين مصر”، وأيضا صبحي وحيد مع “أصول المسألة المصرية”، وحسين فوزي في “سندباد مصري”.

رافق هذا الاهتمام المصري الوفير عزوف فاقع في المشرق العربي عن دراسة شخصية المكان، مع اهتمام بالغ لمؤرّخي الشام والجزيرة العربية بعامل الزمان. لعلها من سمات شخصية المشرق العربي ألّا يصرف مؤرّخوه جهداً في تفكيك سيكولوجية أرضهم. فمن الصعب تفسير غياب هذا العلم الحديث عن المكتبات العربية.

والأصعب فصل الإنسان عن الإنتاج التاريخي لمنطقته، على اعتبار أن الإنسان إحدى ظواهر الجغرافيا. وتفاعله مع التضاريس إنما يكون بقواعد صارمة لا مصادفة. فالتضاريس لا تكرّر نفسها، هي الثابت في هذه العلاقة. أما التاريخ، فهو متحرّك، وعلى هذا الأساس أستغرب العزوف، واضعاً إياه في خانة شخصية المكان.

لعلّ العميد طه حسين استشعر بعضاً من هذا العزوف، عبر ما يُظهره في بحثه المعنون “الحياة الأدبية في الجزيرة العربية” الصادر في العام 1935م. ولا تكمن المفارقة هنا فقط، لأننا سنجد أنّ ما ساهم في نشر البحث وحضّ عليه هو الممثل والتاجر السعودي خليل الرواف، الذي يعدّ الأب الروحي للمهجر السعودي. فقد عاش في الولايات المتحدة الأميركية في بدايات القرن العشرين، عاملاً في صناعة الإعلام بعد تعلّمه اللغة الإنكليزية في بغداد. لربما المهجر دفعه إلى تشارك شخصية أرضه بعيني طه حسين!

وما ساهم في تفاقم ذلك العزوف المشرقي مطلع القرن العشرين اختراع وسائل النقل الحديثة، عندما استبدلت الناقة بالطائرة، التي اختصرت علاقتنا مع الجغرافيا بالخريطة المصوّرة، لتنشأ علاقة بيننا وبين خريطة نريد منها أن تكون على غير ما هو الواقع. فوجدنا أنفسنا أمام خريطة جامدة لا تسمع ولا تنطق ولا تبصر. عندئذ غابت شخصية المكان أكثر فأكثر.

على سبيل المثال القفز بالطائرة المتوجّهة من جزيرة العرب الى أوروبا من فوق قناة السويس، الذي عُدّ حدثاً تاريخياً جذرياً لناحية الشخصية الكونية. هذا مسار رحلة يغيّب ارتباط الحجاز بمصر والسودان، ومعه ارتباط نهر النيل بجبال الحجاز، ولا يفسّر نشأة طريق أبو زيد الهلالي في شمال الجزيرة العربية، الذي يشرح العلاقة العضوية بين برّ الشام ونجد، ومنها المثل الشعبي الذي ردّده أجدادنا “نجد وَلود والعراق داية”.

وإذا طلبتُ منكم النظر إلى الخريطة في مسار رحلة الطائرة، فهل من الممكن تفسير سبب تسمية قرى في صعيد مصر أسماء قبائل عربية في السعودية مثل مطير وحرب وجهينة وبني مرة؟

وهل ستشرح الخريطة دور “درب الأربعين” الثقافي والاقتصادي في مسار التلاقح التاريخي والإنساني بين الجزيرة العربية ومصر والسودان حتى حدود غرب أفريقيا؟ هذا الدرب الذي يبدأ من أسيوط ويمتد حتى الواحات الخارجة جنوباً كأنه أوتوستراد (طريق سريع للسيارات يربط بين المدن الكبرى) حضاري شقته الطبيعة.

ثم كيف لهذه الخريطة النطق بأن العزوة في ليبيا اليوم هي “لأولاد علي غريب الدار” كتلك التي في قبيلة عنزة الوائلية العدنانية في المشرق العربي؟

إذاً مسار خريطة الطائرة هو رحلة تصنع قناعاً لوجه المكان. رحلة تخفي ريشة التراث ورسّامها الأول. إضافةً الى أنّ هذه الدابة الطائرة استطاعت بناء حاجز نفسي لنا بين شخصية المنطقة العربية ودور المكان السياسي، ما راكم من سوء الفهم للتراث وصناعة الرموز في التاريخ.

لنصل الى أن الجغرافيا صاخبة في التراث وصامتة في الخريطة. هذه الخريطة التي ترتاح لها أعيننا لا تعكس شيئاً من نتوءاتها الطبيعية. كأنّ الجغرافيا صمّاء وهو أبعد ما يكون.

أين نحن من ضجيج جبل أُحد في المدينة المنورة وتأثيره في السيرة الإسلامية؟ الجبل الذي يحبنا ونحبه كما وصفه النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.

هذا الجبل الذي دارت عنده المعركة التي انهزم فيها المسلمون أمام قريش (غزوة أحد) حين نزل الرماة من الجبل بهدف أخذ الغنائم بعدما أخطأوا التقدير بهزيمة جيش المشركين. ألم يكن صاخباً ولا يزال جبل أحد في تراثنا؟ الغزوة التي قتل فيها عم الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا حمزة بن عبد المطلب؟

أيضاً لا تظهر هذه الخريطة جبل أم قيس، الواقع في الأردن اليوم، الذي يطل على ثلاث محطات مفصلية في تاريخ المنطقة. فهو يطل على منطقة اليرموك وحطين وعين جالوت، وكلّ من هذه المناطق شهدت معارك سُجّلت في التاريخ كنقطة تحوّل.

اليرموك سجل انتصار المسلمين على البيزنطيين. انتصار الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد بعدما تنازل أبو عبيدة بن الجرّاح له عن القيادة العامة، هي المعركة المفصلية التي أذنت ببداية الانتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب.

ومنطقة حطّين التي عليها جرت المعركة الفاصلة التي قلبت موازين القوى في المنطقة. وقعت تلك المعركة بين الجيش الأوروبي وجيش صلاح الدين الأيوبيّ، وأدت إلى تحرير القدس الشريف ومعظم ما احتله الفرنجة في حملاتهم الصليبية المتعددة.

ثم معركة عين جالوت، وهي إحدى أبرز المعارك الفاصلة في تاريخ البشرية. فقد استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز إلحاق أول هزيمة بجيش المغول الزاحف من وسط آسيا، معلنة تبدل الميزان الاستراتيجي لمصلحة العرب بعد انتكاسات مريرة، منها سقوط بغداد ومعها الدولة العباسية.

ما أريد قوله إنّ أمّ قيس لا تظهر في الخريطة الصمّاء بالرغم من أنها صانعة المجد في التراث.
وهي لا تزال حتّى اليوم تفرض نفسها موقعاً مهمّاً وأمنياً وعسكرياً. فقد صُنّفت أم قيس منطقة عسكرية استراتيجية تخضع لحراسة شديدة يفرضها الجيش الأردني، كما شرح لي الأمير هاشم بن الحسين بن طلال، حين تحدّث بإسهاب عن أهمية هذا الجبل في العقل الأردني العسكري والأمني.

ما أقصده هو أن التاريخ يستنطق الجغرافيا بلسان الإنسان، وأنّ هذه التضاريس أرشيف تراثي لا نتوءات طبيعية فقط. عندئذ يمكن التعرف على شخصية كل إقليم على هذا الكوكب. ومن خلال ذلك يُفتح باب الفهم والاستيعاب للماضي والمستقبل معاً. أمّا الخريطة الصمّاء من دون تضاريس، فتُبقي الإنسان في الظل بعيداً من الحقيقة.

وللخروج من الظل علينا فك شيفرة شخصية الجغرافيا العربية في المشرق.