سبع سنوات على ثورة يونيو

تابعنا على:   12:00 2020-07-08

عبد المنعم سعيد

أمد/ ربما لا توجد شهادة على ما كان ل ثورة يونيو 2013 من فضل قدر لحظة الأزمة التي عاشتها وتعاملت معها مصر خلال الأشهر الستة الماضية منذ بدت الفيروس.

 أزمة الفيروس تجري في بلاد بعيدة مثل الصين، إلى أن اقتربت منا وأشهرت نفسها لدينا في منتصف فبراير. كان الأمر امتحانا لا شك فيه سواء كان ذلك يتعلق بكفاية القدرات، أو توافر الإرادة، أو فاعلية الإدارة لأزمة ذات أوجه متعددة. المقارنة مشرفة مع ثورات أخري جرت في القريب الجغرافي الشرقي أوسطي، انفلت منها العيار وانتهت إلي حروب أهلية، وأخري للتدخل من دول إقليمية وعالمية، وأصبحت باختصار مستباحة؛ وعندما لم يحدث ذلك كله فإن قوة متطرفة ومتعصبة ومتخلفة وإرهابية جثمت على صدورها لا تستطيع منها فكاكا أو خروجا.

وبقدر ما كان امتحان الكورونا شاملا للعالم أجمع، ونجحت فيه دول جاءها الفيروس وذهب، فإن دولا أخري بعضها كبري بحجم البرازيل، وعظمي بقدر الولايات المتحدة، أصبحتا في مقدمة الدول من حيث عدد الإصابات والوفيات. مصر مرت بالتجربة ونجحت فيها إلى الدرجة التي جعلتها أولا لا تهمل مسيرتها التنموية التي بدأتها مع ثورة يونيو؛ وثانيا أن ما أنجزته من إصلاح مالي واقتصادي كان كافيا لكي تمر شهور الأزمة دون أزمات غذائية أو تضخم أو غياب للطاقة. لم يكن الأمر سهلا بالتأكيد، ولا كان انخفاض الاحتياطي القومي من الأخبار السعيدة، ولكن من أجل هذا كانت الثورة، ومن أجل هذا كان نجاحها سببا في هذا الاحتياطي لكي يقي مصر من شرور الأزمات المفاجئة.

 وثالثا أن هذا الأسبوع شهد عودة الحياة الطبيعية إلى مصر كلها في إطار من المعتاد الجديد الذي هو أن تفعل الكثير للعمل، وتمارس ما هو أكثر من الحياة، بشرط أن تكون ممارسا لجميع الخطوات الاحترازية المطلوبة من إنسان مصري يحافظ على نفسه وأسرته ووطنه. في تمام العام السابع بعد الثورة تخرج مصر من الجائحة مرفوعة الرأس وهي مستعدة لممارسة الحياة الطبيعية، تقريبا، مع قدر من الاعتدال، والتعلم من الأزمة.

السنوات السبع علمتنا الكثير من الدروس والعبر، فلا كان العالم ساكنا، ولا كان الإقليم راكدا، كانت حركة الدول والمجتمعات تسير في مسارها التاريخي الذي ينفي تماما وجود وصفة سياسية واقتصادية ذات طبيعة عالمية يمكن تطبيقها على دول العالم جميعها دون معرفة بمراحلها التاريخية والثقافية المتنوعة. وبقدر ما أنه لا يمكن إعادة اختراع العجلة مرة أخري، فإن استخدامات العجلة ذاتها تظل دائما رهن الظروف التاريخية للبشر وتاريخهم. وفي الحقيقة فإنه خلال أزمة الكورونا لم يكن هناك نموذج نقي صافي صالح لكل الدول أيا ما كان موقعها من خطوط الطول والعرض وزمن التقدم والتغيير فيها.

 ومن الجائز أن الصدمة الكبرى للوباء لكل من الصين وشرق آسيا المتقدم، ومن بعده مباشرة أوروبا وأمريكا الشمالية وخاصة الولايات المتحدة ، شكل دعوة للتواضع فيما نعرفه عن الكون وما فيه من تحولات وقدر ما فيه من قدرات للتقدم العلمي والتكنولوجي. وربما كان دعوة أخري لمعرفة حدود القوة الكامنة في المجتمعات الديمقراطية وقدرتها على الاتفاق والتوافق وحاجتها إلي التعاون للتعامل مع عالم كشفت فيه الكورونا الكثير من نقاط الضعف وعدم الفعالية. وربما كان أهم ما عرفناه هو أن التقدم فكرة معقدة، بل وبالغة التعقيد وتحتاج إلي قدر كبير من الجهد والفهم لفك أسرارها وإخراج تجلياتها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ثلاثة أمور كان على مصر التعامل معها خلال السنوات السبع الماضية. الأول كان مع خطر التطرف والتعصب والإرهاب، فالثورة قامت أساسا من أجل الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. المدهش أن الدول الغربية والمتقدمة عامة بدأت في النظر إلى الجماعات الإرهابية من ناحية تفكيك مجتمعاتها والإطاحة بالدولة الوطنية فيها، كما في أفغانستان والعراق؛ ثم بعد الفشل فيها جنحت إلى تبنيها باعتبارها مشروعا ديمقراطيا! مصر في ذلك كانت حاسمة ليس فقط بسبب تجربتها المريرة في الخداع الإخواني، وإنما أيضا لأنها أدركت أن هناك حاجة ملحة لتجديد الفكر الديني كله حتى لا يقف حجر عثرة أمام تقدم البلاد، والبشرية كلها. والثاني أنه لا بديل لمصر، وربما المنطقة كلها، من بناء الدولة والتنمية المستدامة؛ وفي سبيل ذلك لابد من اتخاذ قرارات صعبة، وربما بالغة الصعوبة، وغير شعبية، والاستمرار في قوة الدفع نحو ذلك حتى ولو كانت هناك حرب ضد الإرهاب، أو كان هناك فيروس تاجي عقور. والثالث أنه أيا كانت البراكين والزلازل والجوائح التي تجري على سطح الكوكب فإن حركة الجغرافيا السياسية لا تتوقف، ولعبة الأمم لا تتراجع، وفي ذلك فإن مصر تبني نفسها في كمون استراتيجي سوف تتسارع قدراته خلال العقد الحالي وفي نفس الوقت فإنها لا تغفل أخطار الجوار القريب القادم من تركيا في ليبيا أو من إثيوبيا في مياه النيل .

سبع سنوات من الأحداث الكبرى خرجت منها مصر أفضل حالا مما كانت عليه قبل عقود ماضية، وبسرعات لم تعهدها من قبل، ونجحت في طي صفحة الإخوان إلى غير رجعة. ولكنها في ذات الوقت مازالت أمامها صعاب لكي تتعداها، وعقبات لابد من تجاوزها. ولكن الحكمة من السنوات السبع تقول لنا إن موارد مصر طائلة، ونقلتها من نهر النيل وواديه الضيق إلي البحار الواسعة تجعلها تمتلك ناصية مساحات هائلة للعيش والاستثمار.

أكبر التحديات يأتي من بيروقراطية الأيادي المرتعشة والعاجزة والمحدودة المعرفة والرجعية الفكر؛ ومن التقسيم الإداري لمصر ومدي فاعليته في تعبئة الموارد وتطبيق فاعلية الدولة فلا تغض الطرف عن ذنب، ولا تنظر إلى الناحية الأخرى ساعة الخطيئة؛ ومن نقص كبير في الطاقة الإعلامية الضرورية القادرة على المنافسة استنادا إلى كثير من المهنية والحرفية والقليل من الأصوات العالية والضجيج الأجوف. هي تحديات غير قليلة، ومعقدة وصعبة، ولكن كم من تحديات تجاوزناها من قبل تحت قيادة واعدة ورشيدة.

نقلا عن صحيفة الأهرام

اخر الأخبار