حراك ”بدنا نعيش“… النسخة الاسرائيلية

تابعنا على:   07:34 2020-08-04

د. سفيان ابو زايدة

أمد/ منذ ما يزيد عن الشهر تتصاعد  في اسرائيل وتيرة المظاهرات ، خاصة امام منزل رئيس الوزراء نتنياهو. ما يميز هذه المظاهرات او هذا الحراك الشعبي هو انه حتى الان بدون عنوان محدد و بدون شعارات محدده و بدون اهداف محدده و بدون قيادة معروفة تتحدث بأسمه . 

مع ذلك القاسم المشترك بين كل المشاركين في هذه المظاهرات هو انهم سئموا من الوضع الحالي سواء الاقتصادي الناتج عن تداعيات فايروس كورونا والذي القى بظلاله على قطاعات واسعه و تسبب حتى الان بوجود ما يزيد عن مليون عاطل عن العمل ،  او عدم رضاهم عن سلوك نتنياهو سيما انه يمثل امام القضاء في ثلاث ملفات فساد مع امكانية فتح ملفات اخرى.

يحرص المتظاهرون على مختلف مشاربهم ان لا يتم استغلال هذا الحراك الشعبي من قبل الاحزاب السياسية القائمة او من قبل شخصيات سياسية ممكن حسب اعتقادهم ان تركب الموجة و تستغل صرختهم التي تطالب بتغيير الوضع. لذلك حتى الان لم يسمحوا لاي سياسي ان يعتلي المنصبة و يلقي خطاب هنا او هناك.

نتنياهو المنزعج جدا من هذه المظاهرات و المتضرر الاساسي منها حاول ان يمنع حدوثها بحجة الكورونا و خطورة انتشار المرض ولكن الشرطة الاسرائيلية لم تقتنع بهذه الذريعه و سمحت بممارسة المتظاهرين لحقهم المكفول بالقانون في التظاهر مع الحفاظ على اجراءات السلامه اولا و ثانيا الحفاظ على النظام العام.

حاول وزير الامن الداخلي امير اوحنا ان يؤثر بشكل مباشر على عمل الشرطة من خلال مطالبتهم بشكل غير مباشر للتعامل بقسوة مع المتظاهرين امام منزل رئيس الوزراء عندما طلب من القائم باعمال مدير الشرطة بأنه يجب على الشرطة التعامل مع المتظاهرين كما تتعامل مع العرب و الاثيوبيين و الحريدييم
 ( اليهود المتدينين).
وفي محاوله اخرى حاول وزير الامن الداخلي وهو احد ( سحيجة ) نتنياهو البارزين تحريض الشرطة  بالضغط على المتظاهرين من خلال تحرير مخالفات لهم ، خاصة اولائك الذين لا يضعون الكمامات الواقية. الوزير اوحنا اتهم الشرطة في اكثر من مناسبة انها لا تتعامل كما يجب من اجل ردع المتظاهرين.

لكن، وبأستثناء بعض الصدامات هنا وهناك بين الشرطة و المتظاهرين في بعض النقاط لم تجد الشرطة مفر سوى حماية المتظاهرين احتراما  للقانون الذي يكفل الحق في التظاهر . القانون الذي لا يستطيع نتنياهو تجاهله او الاستقواء به على المتظاهرين ، وكذلك لن يستطع  الوزير اوحنا المسؤول عن الشرطة اعطائهم اوامر بقمع المظاهرات و اعتقال المتظاهرين لان الشرطة في دولة القانون لا تلتزم بتعليمات الوزير ان كانت تعليمات تتناقض او تتعارض مع القانون. ولاء الشرطي ليس للرئيس او الوزير او مسؤول جهاز الامن . الولاء قبل كل شيء هو للقانون و سلطة القانون .
مهمة اجهزة الامن في دولة القانون قبل ان يكون حماية النظام و رموزه و احزابه هي حماية المواطن و ضمان ممارسة حقوقه و الحصول عليها كاملة كما ينص عليها القانون.
 في دولة القانون عمل اجهزة الامن ليس فقط الحفاظ على الامن العام بل ايضا الحفاظ على امن المواطن و ضمان ممارسة حقه دون استقواء من اي جهة.
لذلك لا يسمع اي دور لجهاز الشين بيت او استخبارات الشرطه او الجيش في ملاحقة المتظاهرين و قياداتهم . عملهم الاساسي   هذه الحاله هو الكشف عن اي جهة تخريبية قد تخطط للاعتداء على المتظاهرين .
في دولة القانون ومهما انزعجزت السلطات من هذا الحراك لا تسمع عبارات مثل طابور خامس و اجندات خارجية و تعليمات من جهات معادية وخونه و عملاء و متآمرين . هذه العبارات و هذه التعببيرات ليس لها مكان في هذا العالم الذي يحترم و يقدس سلطة القانون التي هي فوق اي شخص او حزب او جهاز امن . 

 الحراك الذي يجري الان في اسرائيل، خاصة في الساحة المقابلة لمنزل رئيس الوزراء يسير بشكل  سلمي بعيدا عن العنف و بعيدا عن التخريب . موسيقى و غناء و رقص و توزيع ورود على الشرطه و رفع شعارات تدعو للوحدة و التضامن ، وفي بعض الاحيان يتم التعبير عن الاحتجاج من قبل بعض المتظاهرين بطرق غريبة مثل التعري الجزئي من قبل بعض المتظاهرين و المتظاهرات بهدف لفت الانظار و ايصال رسالة مفادها ان الوضع لم يعد يحتمل.

على الرغم من ذلك جماعات من الليكود سعت الى تنظيم مظاهرات مؤيدة لنتنياهو حرصت الشرطة على ان تكون منفصلة عن المظاهرات الاخرى. لكن و من باب التخريب هناك بعض المجموعات التي تسللت وسط المتظاهرين و اعتدت عليهم مرددين عبارات مثل ( يساريين شراميط) او ( خسارة ان هتلر لم يكمل عمله) و ( انتم خسارة فيكم نتنياهو ، انتم يلزمكم هتلر) .
هؤلاء في الغالب يتبعون الى تنظيم اسمه (لافيميليا) وهي كلمة ايطالية تعني العائلة. هؤلاء هم عبارة عن مجموعه من مشجعي فريق كرة القدم بيتار القدس و معروفين باثارتهم للمشاكل، خاصة مع الجمهور العربي.
من ضمن احتجاجات هؤلاء ، او تبريرهم لسلوكهم ضد المتظاهرين هو ان بعض سلوكيات المتظاهرين تتنافى مع التعاليم و التقاليد اليهودية ، خاصة عندما تكشف احدى المتظاهرات عن صدرها. لكن هذا التبرير لا يقنع احدا لان وزير الامن الداخلي امير اوحنا هو اول وزير اسرائيلي و اول قيادي في الليكود يعلن عن نفسه بأنه هومو ( مثلي) و متزوج من رجل اخر و لهم طفلين. هذا الامر يعتبر في التعاليم الييهودية من اكبر الكبائر.
على اية حال ، السؤال الذي يطرح نفسه هو الى اي مدى يمكن ان تغير هذه المظاهرات الوضع في اسرائيل، او هل ستؤدي هذه المظاهرات الى اسقاط نتنياهو؟
ليس هناك قناعة لدى احد ، بما في ذلك المتظاهرين انفسهم بأن هذه المظاهرات ستؤدي الى اسقاط نتنياهو، حيث نتنياهو يسقط في حالتين فقط، الاولى من خلال صندوق الانتخابات و الثانية من خلال بوابة القضاء اذا ما تم ادانته.
هذه المظاهرات مزعجه جدا لنتنياهو ، سيما انها تحدث على باب بيته و تقلق راحته، لكنها ليست اكثر من صرخه بصوت مرتفع من قبل مواطنين رفعوا شعار ( بدنا نعيش).
لا يمكن ان ينتصر حراك دون ان يكون له عنوان يتحدث بأسمه، او تكون له مطالب محدده ، او اهداف واضحه يتم العمل على تحقيقها.
عندما طلب الوزير المثلي اوحنا لقاء احد الوجوه البارزه لهذا الحراك وهي اورلي بارليف رفضت لقاءه قائلة ليس هناك قيادات او عناوين للحراك.
علي اية حال ، هناك من يقارن بين الحراك اليوم الذي يشارك فيه الالاف و بين الحراك الذي جرى في اسرائيل عام ٢٠١١ و الذي وصل عدد المشاركين فيه في بعض المرات الى اكثر من مئتي الف متظاهر في ساحات تل ابيب.
حراك ٢٠١١ بدأ احتجاجا على ارتفاع اسعار البيوت و ارتفاع اسعار لبن الكوتج . كان له قياده معروفه على رأسهم الناشطة الاجتماعية دفنا ليف و ستاف شفير و ايتسك شمولي.
 وكيف انتهت هذه الاحتجاجات و ما الذي انجزته؟ الشيء الوحيد الذي انجزته هو ان سعر لبن الكوتج انخفض شيكل واحد فقط.
 اما كيف انتهت فهذا هو المهم. الساحر نتنياهو في ذروة هذه الاحتجاجات التي كادت ان تطيح به اقدم على خطوة لم يتوقعها الاسرائيليون في حينه. خطوة استطاعت حرف الانظار عن هذه الاحتجاجات من خلال اتمام صفقة شاليط او كما يسميها الفلسطينيون صفقة وفاء الاحرار.
لذلك هناك سؤال يطرح نفسه، وهو هل سيكرر نتنياهو نفس السيناريو من خلال اعادة جنوده المأسورين اورن شؤول و هدار غولدن سواء كانوا احياء او اموات و بالتالي حرف الانظار عن هذا الحراك الشعبي؟
سيما ان نتنياهو وكل زعماء الليكود يعتبرون ان الاعلام الاسرائيلي ، خاصة محطات التلفاز داعمه لهذا الحراك و تسعى الى تغذيته . اتمام صفقة تبادل الان هو بلا شك سيحرف الانظار . السؤال هل نتنياهو قادر او على استعداد على دفع ثمن هذه الصفقة؟ وفقا لحسابات التاريخ الامر ممكن لكنه ليس بالامر السهل في هذه المرحلة.
في كل الاحوال ، كما وصف احد الصحفيين الاسرائيليين الوضع قائلا بأن هذا الحراك قد لا يسقط نتنياهو ولكنه جعل جدران بلفور تهتز.

اخر الأخبار