صائب عريقات الفلسطيني العنيد

تابعنا على:   07:23 2020-11-11

صلاح صبحية

أمد/ صائب عريقات الفدائي الأول في خط المواجهة الأول ، وجهاً لوجه يقاوم ويناضل ، لم يكن يحمل بندقية أو مسدساً ، لم يكن يتمنطق حزاماً ناسفاً ، بقدر ما كان يتوالدُ في داخله إيمان مطلق بعدالة قضية شعبه ، وبقدر ما كان يتسلح بالعلم السياسي والمعرفة التاريخية والكلمة الديبلوماسية ، لذلك كانت تعابير وجهه ترسم الكلمات قبل أن ينطق بها لسانه ، فقد كان الحق المسند بالدليل والحُجة مخزن ذخيرته الذي لا ينضب ، فكان بذلك مقاوماً ومناضلاً من طراز فريد مميز في صراعنا مع عدونا الصهيوني، وذلك انطلاقاً من إيمانه بالبندقية المسيسة ، فالرصاصة لا بدّ أن يكون لها هدفُ يرسمها مسارها السياسي ، وساحة السياسة تختلف عن ساحة الحرب ، ففي ساحة الحرب يتقاذف الطرفان المتصارعان صنوف الأسلحة عن بعد ، وفي ميدان السياسة حيث تفرض المفاوضات ذاتها على الطرفين المتصارعين اللذين يجلسان على طاولة واحدة وجهاً لوجه تبرز أدوات التفاوض التي يجب استخدامها بما يحقق النتائج والأهداف ، ولكل كلمة ميزانها وقيمتها وقوتها ، فلا يمكن أن تُلقى الكلمات على طاولة المفاوضات جزافاً دون حساب الحروف ومخارجها وحركاتها ، وقد أجاد صائب عريقات الدكتور المتخصص في هذا العلم لغة المفاوضات مع عدو يستند إلى تاريخ مزيف وحقائق وهمية .

لم يكن المناضل صائب عريقات ليناً في مواجهة العدو الصهيوني منذ مؤتمر مدريد عام ١٩٩١ عندما تسلح بالكوفية الفلسطينية متشحاً بها داخل قاعة المؤتمر في مواجهة شامير الذي رأى في كوفية صائب عريقات الفلسطينية خطراً ينسف المؤتمر منذ بدايته ، فإذا بكوفية صائب عريقات تصبح محل تفاوض بين الدول الكبرى لتكون مقدمة للتفاوض حول كل الحقوق الفلسطينية انطلاقاً من حقنا بالاتشاح بكوفيتنا الفلسطينية.

ثلاثون عاماً والمناضل صائب عريقات يزداد صلابة في مواجهة المفاوض الصهيوني ، لم يكلّ أو يملّ حتى آمن أنّ الحياة مفاوضات وذلك كمنهج علمي لخصه قائلاً في كتابه: (إن الحروب تعددت أسبابها ولكن المصالح تبقى أساس أي صراع، وإن الصراع سببه الشعور بأن مصالح الأمة في الحرية والأمن في خطر وأن الموارد مهددة.. وإذا كانت الصراعات حتمية فإن المفاوضات حتمية )، وهذا يعني في نظره أنّ أي حرب أو أي صراع إن لم تكن هناك هزيمة مطلقة لأحد الطرفين فالمفاوضات ستكون حتمية مثلما هي الصراعات حول المصالح والحقوق حتمية ،وإذا كان خوض الصراع يتطلب معرفة قوى الخصم وضعفه فإن المفاوضات كذلك تتطلب معرفة شاملة لمكونات الخصم كما يؤكد صائب عريقات ذلك بقوله ( أنه ليس فقط من الضروري التحضير للمفاوضات من ملفات وخبرات، وإنما أيضا يجب دراسة الطرف الآخر من كافة الجوانب وبأدق التفاصيل، وضرورة وجود فهم مشترك للكسب المشترك من نتائج المفاوضات.) ولذلك كان كتابه الحياة مفاوضات ككتاب علمي جامعي تفتقر إليه المكتبة العربية ، ولقد سبب له هذا الكتاب انتقادات لاذعة بعيدة عن العلم والمعرفة والمنطق ، وأُشهر هذا العنوان سلاحاً في وجهه من قبل الرافضين لمبدأ التفاوض .

واليوم يرحل صائب عريقات كبير المفاوضين وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، يرحل كمناضل وطني فلسطيني كبير سنفتقده في محطات كثيرة قادمة على طريق صمودنا في مواجهة صفقة القرن وتفرعاتها حيث تتطلب الحالة الفلسطينية في الوضع العربي الرديء فهماً لخاصاً لمعادلة الصراع العربي الصهيوني مع اختلال موازين القوى لغير مصلحة القضية الفلسطينية.

صائب عريقات ترحل اليوم وقد افتقدك الجميع من اتفق معك أو اختلف ، فقد كنت رقماً صعباً على الانقسام لأنك كنت مناضلاً من طراز فريد في تاريخ نضالنا الفلسطيني.

كلمات دلالية

اخر الأخبار