نزار بنات بعثرة مواقف

تابعنا على:   20:09 2021-06-24

د. سامي محمد الأخرس

أمد/ كثيرًا ما نميل أحيانًا للاقتضاب في تناول بعض الأحداث ليس جبنًا وإنما حكمة أمام لعنة الجغرافيا التي نعيش، ومنعًا للقفز على صهوة المصالح الحزبية لاستغلال أي حدث ما هنا وهناك، هذه المواقف التي تبنى على جثامين اصحاب كلمة الحق، فالأداة الأمنية القاتلة لكل صوت صريخ بالحق وبالعدل هي الأداة التي تتغول فينا يومًا تلو يوم تحت وطأة الجغرافيا، ومحاولات الثأر من أدوات الجغرافيا مع محاولات استرجاع التاريخ القريب رويدًا رويدًا حتى نقف على معضلتنا الحقيقية، ذهب نزار بنات وحيدًا ليترك لنا الحماسة والتلاعن والتبارز في فورة المواقف ولكن لم نسأل بعضنا بلحظة ما ماذا اختلف موقف نزار بنات عن موقف ذاك الشاب عبدالله قشطة الذي ترك بزنزانته وحيدًا لتفترسة الصواريخ في الحرب دون أن يتم اجلائه كما تم إجلاء السجن والمقر الأمني والذي يعرف الجميع إنه هدف للقصف، وماذا يختلف موقف نزار بنات عن موقف عمر النايف الذي قتل وهو في سفارته لاجئًا أمنًا في بيت من بيوت وطنيتنا، وخرج علينا الحزبيون يدافعون عن سفيرهم ورجلهم، واليوم هم من يحملون صولجان الحريات والعدالة، وماذا يختلف نزار بنات عن أجيال تفترسها صراعات الجغرافيا والمصالح الحزبية والمشاريع السياسية الحزبية.
لا تختلف إلا بالقناع الذي نستتر خلفه كلًا يدافع عن هواه واهوائه المتعمقة بعصبيته الحزبية، وقانونه الخاص المعنون بلون رايته التي أقسم إلا أن يتعصب لها، ويكون عبدًا لها، ويلقي خلف ظهره الهم الجمعي الأكبر والأعظم، والأكثر تعاظم في حالتنا وصراعنا الجغرافي.
فالمثقف يحمل قلمه ويصرخ في فضاء حزبيه مصالحه دون مواراة، والمواطن يهتف خلف من يدغدغ مشاعره، والأصوات النبيلة تندثر في فضاء عبثي متحزب لدرجة العنصرية لولاءاته الذاتية والمصلحية. وتمر الأحداث كما تمر الزوابع تملء فضائنا غبار هبوبها ومن ثم تتلاشى ونبدأ بتنظيف ما علق بنا من ذرات وشوائب الغل والأحقاد ... لتستمر الجغرافيا في صراعها نحو المزيد من ضحايا الذات... وعنفوان الصلافة التي أصبحت عنوان لمقارعاتنا التناكفية ...
لقد ذهب شخص كما ذهب أشخاص، وذهب صوت كما ذهب عشرات الأصوات، ولكن هل تذهب الأدوات؟ وهل تختلف الأدوات؟ وهل نختلف نحن في مفاهيم البناء الإنساني الذي أصبح في سلة مهملاتنا لحساب البناء الحزبي وصراعاته؟
لدي الكثير من الغضب ولكن لست من هواة التفريغ والجعجعة والضجيج، إن لم نفرغ ذاك الوحش الذي بدواخلنا ونفرغ هذا الحقد الذي يعتمر أرواحنا، فلن نستطيع أن نكتب أكثر مما نقرأ، ولن نستطيع نقرأ أكثر مما تتحمله طاقاتنا البشرية أمام المشهد الذي أصبحت حالتنا الإنسانية والوطنية تتآكل من صدأ الحزبية والعبودية الحزبية التي نعبدها، كما عبد اسلاف الجاهلية أصنامهم وتضرعوا لها أن تمنحهم العدل والعدالة. وكفى بالله حسيبًا.
هنا يمكن لنا أن نعيد باكورة الإنتاج من جديد لمفاهيم غادرتنا ونعيد بالإسناد والسند الحقيقي المسند للموضوعية والعقلانية مفهوم تعريف القانون، وأدوات القانون، وتطبيق القانون، دون أن نستنفر قوانا الحية في قضايا الصراع التي تحيط بنا، وقضايا تسجيل المواقف، وبعثرة الحقيقة التي يجب مواجهتها.
لقد دفع نزار بنات ثمن مواقفه السياسية والوطنية التي عبر بها عن قناعاته سواء بالشكل المناسب أو غير المناسب وقدم نموذج معين في معركة بناء الإنسان والموقف، وسيبقى في هذا المكان الذي اختاره دون مواربة أو تستر في معركته مع ذاته ومع محيطه، ولكن إن ذهب جثمانه فليس من المنطق أن تذهب مواقفه، بل البناء عليها في معركة البناء الذاتي التي يجب أن تضطلع بها كل قوى شعبنا ومجتمعنا لتعيد للإنسان كينونته وديمومته ليستطيع أن ينهض بالبيئة التي تحولت من صراع مع عدو متمركز على تاريخنا إلا صراع مع جغرافيا متشرذمة تتصارع على مصالح آنية حزبية.

كلمات دلالية

اخر الأخبار