اقتصاد القطاع الخاص في قطاع غزة

تابعنا على:   13:59 2021-07-12

سمير أبو مدلله

أمد/ أولاً / مقدمة:

يعتبر القطاع الخاص من القطاعات الهامة التي تساهم في التنمية الاقتصادية والحد من البطالة، حيث أن تنمية القطاع الخاص تعمل على رفع الحوافز وخلق القدرة لبناء نظام اعمال موجه إلى السوق يعمل بصورة فعالة ويحقق نمواً اقتصادياً، كما توفر مؤسسات القطاع الخاص العوائد الاقتصادية للاقتصاد ككل وللأفراد والمستثمرين خاصة في المجتمعات التي تتبنى في سياساتها الاقتصادية حرية السوق، لذلك تسعى جميع الدول النامية والمتقدمة إلى تعزيز ورفع كفاءة القطاع الخاص لما له من تأثير على التنمية الاقتصادية.

لقد عكفت السلطة الفلسطينية منذ انشائها على تنشيط القطاع الخاص لأهميته الكامنة في تحسين معدلات النمو الاقتصادي والقضاء على البطالة وكان لا بد من وضع التشريعات والبرامج   الكفيلة بذلك، وكما ذهب الاقتصادي "دوغلاس نورث" في آرائه أن المؤسسات هي التي تمنح لكل اقتصاد بنية الحوافز الخاصة به، وأن تطور هذه البنية هو الذي يحدد وجهة التغيير الاقتصادي صوب النمو أو الركود أو التراجع.

ويواجه القطاع الخاص الفلسطيني في قطاع غزة خطر الانهيار التام مع تفشي جائحة كورونا، واستمرار الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض على أكثر من مليوني فلسطيني للعام الرابع عشر على التوالي. وعصفت الإجراءات الاحترازية المتبعة التي تفرضها الجهات الحكومية في غزة التي تديرها حركة حماس من أجل مواجهة وباء كورونا، بعمل القطاع الخاص الاقتصادي على صعيد تقليص أعداد العاملين وتخفيض ساعات العمل اليومية.  لذلك ستركز هذه الورقة على العديد من النقاط وهي على النحو التالي:

ثانياً:/ واقع القطاع الخاص في قطاع غزة

يقاس دور القطاع الخاص في أي اقتصاد بمدى إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي وإجمالي الصادرات وبقدرته على استيعاب الأيدي العاملة، ومن الطبيعي أن يختلف هذا الدور من اقتصاد لآخر تبعا لمجموعة من العوامل التي ترتكز على النظامين السياسي والاقتصادي ومدى توفر البيئة الاستثمارية والتي تعتمد على وجود القوانين والتشريعات الداعمة التي تنظم الحياة الاقتصادية ومدى توفر رأس المال البشري ومدى كفاءة السياسات الاقتصادية وانسجامها مع بعضها البعض. ويعاني القطاع الخاص في قطاع غزة من العديد من الازمات والسياسات الإسرائيلية الممنهجة لتدمير البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني.

بالإضافة لأزمة كوفيد المستجد التي الحقت القطاع الخاص في قطاع غزة العديد من الخسائر وفقدان القدرة الإنتاجية وتسريح العديد من العاملين.

ثالثاً/ المؤشرات المؤثرة على القطاع الخاص في قطاع غزة:

هناك العديد من المتطلبات التي يجب أن تتوفر من أجل ازدهار القطاع الخاص وهي على النحو التالي:

.1 معدل نمو الناتج: هناك علاقة تبادلية بين الاستثمار الخاص ومعدل نمو الناتج، فزيادة الاستثمار سواء في تنمية الموارد أو في البحث والتطوير لها تأثر إيجابي على الإنتاجية ومن ثم زيادة معدل نمو الناتج الإجمالي، كما ان زيادة معدل نمو الناتج من شانه أن يعطى المستثمرين مؤشراً للتفاؤل عن مستقبل الطلب الكلي والأداء الاقتصادي مما يحفزهم على تنفيذ مشاريع جديدة. ولمعرفة تأثير نمو الناتج الإجمالي على الاستثمار في القطاع الخاص لا بد لنا من عرض معدل نمو الناتج الإجمالي في قطاع غزة، للسنوات من 2015 حتى 2020 على التوالي: (1.83%، 9.13% ، 7.69-% ، 3.51-% ، 0.40% ، 12.32-% ) . وهذا يدل على عدم استقرار نمو الناتج الإجمالي في قطاع غزة، وان معدل نمو الناتج المحلي لإجمالي بلغ (-12.3%) خلال العام 2020، وهذا يدل على ضعف وسلبية النمو الاقتصادي في قطاع غزة الامر الذي انعكس سلباً على نشاط القطاع الخاص.

.2 القروض المصرفية:

تعتمد المنشآت الجديدة لتمويل المشاريع في الغالب من القروض المصرفية، بالتالي نجد أن وفرة القروض المصرفية من شأنها ان تدعم زيادة الاستثمار الخاص خاصة في الدول النامية، حيث بلغت نسبة التسهيلات الائتمانية من 2015 حتى 2020 على التوالي (19.25%، 24.82%، 20.12%، 8.63%، 5.09%، 5.24%). وهذا يوضح أن معدل نمو التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص انخفض بشكل ملحوظ خلال العام 2020 مقارنة مع العام 2016، وهذا بالتالي انعكس على قدرة القطاع الخاص في الاستثمار وزيادة الإنتاج بشكل سلبي.

.3 سعر الصرف:  

يتأثر الاستثمار بما يطرأ على سعر الصرف للعملة الوطنية من تقلبات على سعر الصرف الحقيقى الذي ينتج عادة من برامج الإصلاح الاقتصادي المعروضة على الدول النامية والذي يأتي مصحوباً بارتفاع معدل التضخم نتيجة لزيادة الصادرات وقلة الواردات وارتفاع أسعارها، مما يؤدي لانخفاص عام في الانفاق كما ان ذلك سيؤدي لارتفاع أسعار الفائدة التي تؤثر سلباً على الاستثمار، حيث بلغت سعر الفائدة على الودائع للسنوات   ( 2018، 2019 ، 2020 )  على النحو التالي: ( 2.27 ، 2.85 ، 2.43 ) للدولار الأمريكي  و (2.57 ، 3.21 ، 2.62 ) للدينار الأردني و (2.07 ، 2.52 ، 2.23) للشيكل الإسرائيلي بينما بلغ سعر الفائدة على القروض  ( 5.87 ، 5.93 ، 5.52) للدولار و ( 6.48 ، 6.84 ، 6.84 ) للدينار الأردني و (7.14 ، 7.07 ، 6.88 ) للشيكل الإسرائيلي.

مما سبق يلاحظ وجود فجوة كبيرة بين سعر الفائدة على الودائع وسعر الفائدة على القروض بالعملات الرئيسية الثلاث، وهذا ما يؤثر على الاستثمار الخاص، حيث أن ارتفاع سعر الفائدة على القروض يؤدي إلى الاحجام عن الاقتراض، بالإضافة لضعف الفائدة على الودائع يؤثر بشكل سلبي على الإيداع بالعملات الثلاث وهذا بالتالي يؤدي لضعف قدرة الجهاز المصرفي على الإقراض. ويلاحظ انخفاض وتذبذب سعر الصرف للدولار مقابل الشيكل حيث بلغ (3.766، 3.57، 3.44) للسنوات 2018 و2019 و 2020 وهذا ما يؤثر على قدرة القطاع الخاص من الاستيراد والتصدير.

.4 الضرائب:

تؤثر الضرائب مباشرة سلباً على الاستثمار الخاص من خلال تأثيرها على الدخول المتاحة للقطاع العائلي، كما تؤدي إلى نقص الادخار والحد من الاستثمار، بسبب وجود العلاقة الطردية بين حجم الدخل ومستوى الادخار وان الضرائب تفرض على الدخل تؤدي لانخفاض الاستثمار، حيث بلغ نمو الايرادت الضريبية للسنوات (2015 – 2020) على التوالي: (0.43 %، 3.20%، 21.20%، 10.47%، 8.93-%، 3.40-%)

مما يبق يتضح ارتفاع معدل نمو الإيرادات الضريبية في عام 2017 حيث بلغ 21.2%، إلا انه انخفض بشكل ملموس وملحوظ خلال العام 2020، وهذا ناتج عن عدم قدرة القطاع الخاص على الالتزام بدفع الضرائب إضافة لإغلاق العديد من المنشآت والمشاريع في القطاع الخاص.

.5 الانفاق الحكومي ومزاحمته للقطاع الخاص:

يؤثر الانفاق الحكومي على الاستثمار في القطاع الخاص من خلال العديد من القنوات:

  يمكن أن يكون تأثيراً سلبياً، عندما تنخفض إيرادات الدولة أو عند نقص الانفاق الحكومي لمعالجة التضخم أو العجز المتنامي في الموازنة العامة. في المقابل يمكن أن يؤثر إيجابيا عليه عندما يرتفع الانفاق الحكومي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. حبث بلغ للسنوات (2015-2020) على التوالي: (1.05% ، 23.3% ، 1.51% ، 2.79-% ، 4.79-% ، 5.28% )

ويلاحظ تذبذب معدل نمو إجمالي الإيرادات الفلسطينية كما نلاحظ ارتفاعها إلى 23.3%   عام 2016 مقارنة مع 1.05% عام 2015، كما أن معدل نمو إجمالي الإيرادات انخفض في عامي 2018، 2019. على التوالي وهذا يعود للأوضاع الاقتصادية التي تمر بها فلسطين عامة وقطاع غزة بشكل خاص من إغلاق معابر ومنع وصول المواد الخام بالإضافة لجائحة كورونا التي القت بظلالها على أغلب القطاعات الاقتصادية مما أدى لانخفاض الإيرادات المحلية والإيرادات الضريبة الامر الذي انعكس بالمجمل على انخفاض معدل نمو اجمالي الإيرادات الفلسطينية

وقد يكون للإنفاق الحكومي على البنية التحتية (كهرباء، مواصلات، طرق، ...) أثر تكاملي موجب على الاستثمار الخاص، فيكون المستثمرين غير مجبرين على تحمل هذه التكاليف لأن الدولة انجزتها، وفي هذه الحالة يصبح الاستثمار مجديا، لكن نجد في قطاع غزة الامر مختلف حيث التدمير المتعاقب للبنية التحتية في قطاع غزة جراء الحروب المتتالية على قطاع غزة، وأزمة الكهرباء التي يعاني منها القطاع التي تؤدي لتحميل المنتجين والمستثمرين بتكاليف باهضه من أجل توفير الكهرباء للإنتاج من خلال المولدات الخاصة. وبالطبع هذا له تأثير سلبي على الاستثمار، وبلغت نسبة الأجور والرواتب من الانفاق الحكومي خلال الفترة (2015 – 2020) كالتالي: بلغت النفقات الحكومية  ( 3.445، 3.661، 3.794، 3.660، 3.659 ، 3.954 )مليار دولار على التوالي، أما الأجور والرواتب لنفس الفترة بلغت ( 1.759 ، 1.927 ، 1.953 ، 1.657 ، 1.677، 1.890 )مليار دولار لنفس الفترة

وبالتالي تكون نسبة الأجور والرواتب من الاتفاق الحكومي (51.07% ، 52.36%، 51.84%، 45.29% ، 45.84%، 47.81% )  لنفس السنوات .

وهذا يوضح على ارتفاع نسبة الأجور والرواتب من الانفاق الحكومي وهذا يعكس ضعف الانفاق الحكومي الموجه للقطاع الخاص، والانفاق الموجه للبنية التحتية والنفقات التطويرية، وبالتالي التأثير السلبي على قدرة القطاع الخاص.

.6 الاستقرار الاقتصادي:

يعتبر التغيير في معدل عرض النقود من أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصاد الكلي، حيث تنعكس هذه التغييرات على معدل التضخم ومستوى الناتج والعمالة والطلب الكلي ومن المتوقع أن يؤدي عدم استقرار معدل نمو عرض النقود إلى زيادة عدم تيقن قطاع الأعمال والمستثمرين حول مستقبل الوضع الاقتصادي، الأمر الذي يدفعه إلى تأجيل مشاريعه، حتى يتوفر لديه مزيد من التصورات حول المستقبل، ولا يخفى على أحد الوضع الغير مستقر اقتصادياً في قطاع غزة، حيث تعرض قطاع غزة خلال الفترة الماضية لنقص السيولة بالعملات الثلاث المستخدمة في الاقتصاد الفلسطيني، وهذا ما انعكس سلباً على الاستثمار في القطاع الخاص.

.7 الاستقرار السياسي:

يعتبر الاستقرار السياسي من أحد مقومات البيئة السياسية وعنصر من عناصر المناخ الاستثماري، فالدول التي تكون غير مستقرة سياسياً لا يمكنها توفير المناخ المناسب للاستثمار الأجنبي والمحلي، بالتالي الحد من قدرة الاقتصادي على استيعاب وتوظيف الاستثمار، فعدم الاستقرار يؤخر من خطوات التنمية، وحالنا السياسي لا يخفى على أحد حيث هناك العديد من المشاكل التي تواجه النظام السياسي الفلسطيني، الأمر الذي انعكس سلباً على القطاع الخاص بكل مكوناته.

.8 الديون الخارجية:

تعتبر الديون الخارجية مشكلة مزدوجة التأثير على اقتصاديات الدول النامية، فهي تعد المصدر الأساسي لتمويل استثمارات خطط التنمية بالعملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الرأسمالية من آلات ومعدات، فلا ضرر على نمو الديون على الدولة إذا أحسنت استغلالها في مشاريع مدعمة للنمو، ولكن عند وصول موعد تسديد أقساط القروض والفوائد عليها، فإن ذلك يؤثر سلبا على مناخ الاستثمار،  حيث بلغ إجمالي الديون الخارجية للسنوات (2015 – 2020 ) على التوالي  ( 1.07 ، 1.043، 1.041 ، 1.031 ، 1.218 ، 1.324 )مليار دولار، إضافة الى الديون الداخلية للقطاع الخاص والبنوك  وديون هيئة التأمين والمعاشات.

ويلاحظ ارتفاع الدين الخارجي القائم خلال العام 2020 مقارنة مع العام 2018، حيث بلغ في عام 2018 ما يقارب (1.031) مليار دولار ليرتفع إلى (1.324) مليار دولار خلال العام 2020، كما ان أغلب الديون لم تستثمر بالشكل السليم من اجل دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتنشيط المشاريع الإنتاجية فاغلب الدين الخارجي موجه لسد العجز في الموازنة العامة.

 رابعاً/ الاثار الاقتصادية لجائحة كورونا على القطاع الخاص في قطاع غزة:

جاءت ازمة كورونا على خلاف الصدمات السابقة، فالأزمة الحالية هي الأولى من نوعها التي يتعرض لها فلسطين في العصر المعاصر، فالأزمة الحالية أزمة صحية، انتقلت إلى الاقتصاد الحقيقي، ومن ثم القطاع المالي والقطاع الخاص، وبالطبع كان هناك إجراءات حكومية لمواجهة هذه الازمة كان لها التأثير على القطاع الخاص وذلك على النحو التالي:

 

.1 الاغلاق الكامل:

أشارت النتائج النهائية أن (37%) من المؤسسات في قطاع غزة تعرضت للإغلاق لعدد من الأيام نتيجة الإجراءات الحكومية الموجبة بضرورة الإغلاق كإجراء احترازي لمكافحة انتشار فايروس كورونا المستجد، وكانت نسبة المؤسسات التي تعرضت للإغلاق بناء على حجم المؤسسة كما يلي: (المؤسسات الصغيرة 36%، المؤسسات المتوسطة 37%، المؤسسات الكبرى47% ).

وتعرضت مؤسسات أنشطة الخدمات للإغلاق بنسبة (%48) وهي الأعلى بين المؤسسات الأخرى، بينما كانت مؤسسات أنشطة المالية والتأمين الأقل تعرضاً للإغلاق بنسبة لم تتجاوز 22%، حيث بلغت نسبة الإغلاق حسب طبيعة الأنشطة الاقتصادية في قطاع غزة خلال الفترة (5مارس حتى 31 مايو 2020) ما يلي: (35% للصناعة و30% للانشاءات و 31% للتجارة الداخلية و 48% للخدمات و 27% للنقل والتخزين و 36% للاتصالات و 22% للمالية والتأمين).

ومن ناحية عدد أيام الاغلاق فقد تعرضت المؤسسات الصغرى الى 24%، والمؤسسات المتوسطة 25%، اما المؤسسات الكبيرة فقد بلغت نسبة الاغلاق 21%، وبالنسبة للنشاط الاقتصادي في قطاع غزة كانت نسبة أيام الاغلاق لنفس الفترة كالتالي ( 27% لقطاع الصناعة، 39% للانشاءات،  15% للتجارة الداخلية ، 40% لقطاع الخدمات ، 9% للنقل والتخزين ، 24% للاتصالات و 6% لقطاع المالية والتأمين).

ويلاحظ  أن قطاع الخدمات هو اعلى نسبة أيام الاغلاق حيث بلغت 40%، ومن ثم قطاع الانشاءات بنسبة 39%، وكانت أقل نسبة أيام الاغلاق لنشاط المالية والتامين التي بلغت ما يقارب 6%.

بالطبع انعكست الإجراءات الحكومية على وقف الإمدادات المتعلقة بمدخلات الإنتاج من مواد خام ومستلزمات انتاج، وتراجع في مستوى الإنتاج أو حجم المبيعات بحوالي النصف لتضطر حوالي 14% من المؤسسات الفلسطينية لتسريح جزء من العاملين لديها لمواجهة تلك الأزمة.

.2 صدمات الطلب:

 انخفاض في متوسط المبيعات/الإنتاج مقارنة بالوضع الطبيعي بنسبة 50%، أفادت معظم المؤسسات أن حجم المبيعات/ الإنتاج قد انخفضت خلال الأشهر الثلاثة من الإغلاق بنسبة (93%)، مع انخفاض في متوسط المبيعات/الإنتاج بنسبة (55%) مقارنة بالوضع الطبيعي، حيث سجلت المؤسسات التي تعمل في مجال المالية والتأمين أعلى انخفاض في متوسط المبيعات/ الإنتاج بنسبة (100%)، ومن ثم   الانشاءات والصناعة بنسبة (94%)،  أما التجارة الداخلية والخدمات  والنقل والتخزين والاتصالات بلغت( 93% و 94% و 90% و92%) على التوالي.

اما فيما يتعلق بنسبة التغير في انتاج المؤسسة فقد سجلت المؤسسات التي تعمل في مجال المالية والتأمين اعلى نسبة انخفاض في متوسط المبيعات/ الإنتاج بنسبة بلغت 68%، تلتها المؤسسات التي تعمل في مجال الخدمات بنسبة بلغت 58%،  ثم المؤسسات العاملة في مجال الصناعة و الاتصالات ، ومجال التجارة الداخلية ومجال الانشاءات ومجال النقل والتخزين واجهت نسبة انخفاض على التوالي ( 56% ، 56%، 54%، 52%، 47% )

ويرتبط السبب الرئيسي للانخفاض في الإنتاج والمبيعات في المنشآت بانخفاض الاستهلاك بشكل عام، حيث انخفض الاستهلاك بنسبة تزيد عن 5% خلال هذه الفترة. كما أن التراجع في إنتاج قطاع الإنشاءات يعود الى ان تشغيل القطاعات ذات الأولوية لتأمين الأمن الصحي والغذائي للمواطنين في مواجهة الجائحة الصحية خلال فترة الإغلاق. هذا وقد تم تشغيل الصناعات الغذائية، والدوائية بما يشمل المستلزمات الوقائية، والطبية، علاوة على صناعات سلسلة التوريد مثل الصناعات الورقية والبلاستيكية، بالإضافة إلى ضمان انسياب حركة السلع التموينية وتسهيل حركة التجارة الداخلية والتصديرية. كما انعكست هذه الجائحة على توقف تشغيل العديد من الصناعات وخاصة السياحية والحرفية بشكل كلي، بينما توقفت صناعات الأحذية والجلدية، والألبسة وغيرها عن التشغيل بشكل جزئي.

.3 صدمات العرض :

(51%) من المؤسسات أفادت بوجود صعوبة في توريد المدخلات والمواد الخام أو السلع التامة الصنع والمواد المشتراة، وكانت الأنشطة الاكثر تأثرا من هذه الصعوبات نشاط الإنشاءات بنسبة (73%) ، والتجارة (71%) والصناعة بنسبة (69%).

ويعود السبب في نسبة المؤسسات التي لديها نقص في توريد المدخلات إلى إغلاق الأسواق العالمية وما نتج عنه من ارباك وتباطؤ في سلسلة التوريد على المستوى العالمي كان من أهم الأسباب التي أدت الى صعوبة توفير مدخلات الإنتاج من المواد الخام، علاوة على عدم قدرة الدول على تصدير المواد الأساسية نظرا لتعرضها لذات الجائحة وتأثُر اقتصاديات الدول.  وكان هناك سعي لتوفير المواد وتسهيل تشغيل بعض الصناعات الحيوية كالصناعات الطبية وغيرها، حيث من الجدير ذكره انه وخلال الجائحة قد تم تأسيس وتشغيل نحو 53 منشأة صناعية تعمل على إنتاج المستلزمات الوقائية والصحية.

.4 الصدمات المالية:

تواجه (89%) من المؤسسات انخفاضاً في توفر التدفق النقدي مما أثر على نسبة الشيكات المرتجعة التي شهدت ازديادا في نسبتها لتصل الى (11%) في قطاع غزة، بينما أفادت (59%) من المؤسسات بوجود صعوبة في توفير الخدمات المالية المتاحة في الوضع الطبيعي.

وقامت الحكومة بعدة خطوات لمجابهة عدم توفر السيولة خلال فترة الإغلاق، من حيث تحويل الدعم المقدم من المشاريع الممولة من المانحين للاستجابة للجائحة الصحية وتوفير السيولة للمنشآت والأفراد لضمان استمرار أعمالهم، وتم تقديم تسهيلات للشركات لعقد اجتماعات الهيئات العامة وفق متطلبات الإجراءات الصحية بهدف توزيع الأرباح على المساهمين حيث وصل مجموع الأرباح الموزعة إلى 130 مليون دولار، وعدد المستفيدين إلى 46 ألف مستفيد، علاوة على تسريع المصادقة على تمويل الشركات غير الربحية من أجل ضخ السيولة في السوق الفلسطيني بما قيمته 25 مليون دولار تركزت معظمها في المحافظات الجنوبية.
ومن أجل مواجهة السيولة اتبعت المؤسسات العديد من الاليات للتسوية المالية  لمواجهة النقص في التدفق النقدي (39%) من المؤسسات أجبرت على التأخر في الدفع للموردين والعمال، بينما وصلت نسبة المنشآت التي اضطرت للحصول على ديون عائلية أو من الأصدقاء والاقارب لتغطية النقص في التدفق النقدي (36%)، وبالتالي كان هناك التأثير السلبي على العمالة حيث أجبرت (13%) من المؤسسات لتسريح العمال ونسبة (7%) إعطاء إجازة بدون راتب

.5 استخدام الحل الرقمي:  
(13%) من المؤسسات بدأت باستخدام أو زيادة استخدام الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت أو التطبيقات المتخصصة أو المنصات الرقمية استجابة لتفشي فيروس كورونا؛ حيث كان الاستخدام الرئيسي لتلك الحلول الرقمية للتسويق بنسبة (69%) من تلك المؤسسات و(53%) لأعمال الإدارة (40%) لتوصيل الخدمات.

وبلغت نسبة العمال الذين عملوا عن بعد من المنزل (6%) من إجمالي العمال، تركزت بشكل رئيسي في أنشطة الاتصالات ( 18%)من إجمالي العمال تلتها أنشطة الخدمات بنسبة (8%) من إجمالي العاملين، أما التجارة فقد بلغت (5%) من إجمالي العاملين.

خامساَ/  خسائر القطاع الخاص جراء الحرب الأخيرة على قطاع غزة:

تكبدت العديد من القطاعات العاملة في قطاع غزة بما فيها الصناعية والتجارية والزراعية والطبية والبنية التحتية، خسائر فادحة نتيجة استهداف طائرات الاحتلال الإسرائيلي المتعمد للمنشآت العاملة، ملحقة خسائر مالية كبيرة وصلت كحصيلة أولية إلى 300 مليون دولار، إلى جانب صعوبة نهوض العديد من هذه المنشآت بسبب الدمار الكامل الذي حل بها.

استهداف المنشآت والمصانع الفلسطينية، يهدف لتدمير ما تبقى من اقتصاد غزة وإلحاق أكبر قدر من الخسائر في القطاع الخاص، وزيادة الخنق الاقتصادي على أكثر من مليوني مواطن يعيشون في القطاع، مشيراً في ذلك إلى أن تعمد استهداف المنشآت الاقتصادية التي لا تشكل أي تهديد للاحتلال وسكانه، ويأتي في سياق التدمير الممنهج للاقتصاد الفلسطيني، وسياسات تشديد الحصار الإسرائيلي المتواصل على غزة منذ 15 عاماً. وعلى صعيد القطاع الصناعي والتجاري، فقد وصلت قيمة هذه الخسائر إلى 30 مليون دولار بعد قصف الاحتلال لعدد من المصانع، إلى جانب قصف محال تجارية ومدن ترفيهية، أما على صعيد البنية التحتية فقصفت إسرائيل منازل وبيوت سكنية وصل مجموعها إلى أكثر من 1174وحدة سكنية، ما بين الهدم الكلي، فضلاً عن تضرر ما لا يقل عن 7073 وحدة سكنية لأضرار بين متوسطة وجزئية، وعلى الصعيد الزراعي فقد قصفت الطائرات الحربية مئات الدونمات الزراعية في مدينة خانيونس جنوباً وبيت لاهيا شمالاً، إضافة إلى تضرر عدد كبير من المحاصيل الزراعية، إلى جانب تدمير عدد من مزارع الدواجن والماشية في المناطق الحدودية، أما على صعيد القطاع الصحي، فتم استهداف 20 منشأة صحية في القطاع منذ بداية العدوان من بينها الهلال الأحمر القطري.

 فعدوان الاحتلال المستمر قد أضر بالحركة التجارية بشكل كبير، فإغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد مع قطاع غزة، يعتبر جريمة حرب كونه يحرم الأهالي من تلقي الغذاء والعيش حياة كريمة.

وهذه الخسائر تعمد الاحتلال على مدار حروبه المتعاقبة على قطاع غزة، إلى تدمير المنشآت الاقتصادية وإلحاق بالغ الضرر في ممتلكات القطاع الخاص والعام. أن عدد المصانع المتضررة كلياً وجزئياً جراء استهدافها بآلة حرب الاحتلال خلال العدوان، بلغت نحو 31 مصنعاً من مختلف القطاعات الصناعية، في حين يواصل الاحتلال استهداف المنشآت الصناعية والاقتصادية ضمن حربه على القطاع، لتدمير ما تبقى من مرافق اقتصادية .

سادساً / التحديات دائمة وطارئة تواجه القطاع الخاص منها:

هناك العديد من التحديات التي تواجه القطاع الخاص في المحافظات الجنوبية الفلسطينية، في ظل الظروف التي

عدم تعويض بعض المصانع المدمرة منذ الحرب عام 2014. فهناك العديد من المصانع الهامة لم تعوض حتى اللحظة الامر الذي دفع أصحاب المصانع للاقتراض بتكلفة عالية للعودة للعمل في الإنتاج.  مما أثر على تكاليف الإنتاج للصناعات المحلية.

عدم تحويل المرجعات الضريبية في قطاع غزة مما يقارب 13 عام، في حين أنها في الضفة الغربية لم تتوقف، الامر الذي يؤدي لضعف قدرة القطاع الخاص في قطاع غزة على الاستدامة في الإنتاج.

المزاحمة من القطاع الحكومي للقطاع الخاص في العديد من المشاريع الاستثمارية الهامة والتي تمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني. وهذا بدوره يضعف دور القطاع الخاص في دفع عجلة التنمية الاقتصادية ومحاربة البطالة.

غياب دور صندوق الاستثمار الفلسطيني في تشجيع الاستثمار الخاص، وعدم وجود آليات في إدارة أموال صندوق الاستثمار الفلسطينية، وعدم وجود رؤية وخطة متكاملة في كيفية استخدام أموال الصندوق وعدم وضوح حصة قطاع غزة من أموال صندوق الاستثمار الفلسطيني.

ارتفاع تكلفة الاقتراض من المصارف في قطاع غزة إضافة للشروط المعقدة من للحصول على القرض، هذا بدوره أدى لامتناع العديد من المستثمرين في القطاع الخاص اللجوء للاقتراض من المصارف.

التنازع الواضح في الصلاحيات في تولي ملف إعادة الاعمار، مما ينعكس سلباً على عملية إعادة الاعمار من حيث الفترة الزمنية فسيؤدي ذلك لتأخير عملية الاعمار.

احتجاز البضائع في المعابر التي يبلغ قيمتها ما يقارب 120 مليون دولار، الامر الذي أدى لتكبد القطاع الخاص خسائر بمقدار 20 مليون دولار جراء احتجاز البضائع.

عدم وجود حماية على المنتج المحلي وعدم وجود رقابة أو تقييد على المنتج المستورد. خاصة المنتج المصري الذي يدخل إلى قطاع غزة دون قيود وينافس المنتج المحلي، بالتالي على الحكومة وضع الاتفاقيات التجارية التي تنظم العالقة مع الدول المجاورة والحفاظ على المنتج المحلي الفلسطيني.

ومن خلال ما سبق فإنني أوصي بما يلي:

.1 دعم البنية التحتية للتحول للاقتصاد الرقمي وذلك من خلال العمل على إنشاء صندوق وطني ودولي لدعم التنمية التكنولوجية في فلسطين، يستند إلى المساهمات الوطنية المحلية، إلى جانب الجهات الدولية الداعمة لفلسطين، واتخاذ إجراءات لتشجيع الاستثمار في القطاع التكنولوجي الفلسطيني، والعمل على استيعاب الخبرات الفلسطينية في المجال التكنولوجي وتطويرها، والحدّ من استغلالها من قبل الشركات إسرائيلية. بالإضافة لإنشاء علاقات ديبلوماسية ذات بعد رقمي وتكنولوجي تعاوني مع دول متقدمة تكنولوجيًا؛ للتصدي للقيود الإسرائيلية.

.2 دعم قطاع الأعمال بالخدمات والكهرباء والمياه والصرف الصحي حيث عند سؤال المؤسسات حول السياسة المطلوبة لدعم قطاع الاعمال فنسبة (69%) اختارت سياسة دعم المرافق، وما نسبته (55%) من المؤسسات اختارت الإعفاءات والتخفيضات الضريبية، وما نسبته  (49%) تأجيل الايجار.

.3 رفع كامل للقيود المفروضة على الوصول والتنقل إلى الضفة الغربية وبقية العالم. والنهوض بالإمكانات الاقتصادية لقطاع غزة من خلال الاستثمار وبناء ميناء بحري وآخر جوي ومشاريع المياه والكهرباء.

.4 تمكين الحكومة الفلسطينية من تطوير موارد النفط والغاز الطبيعي قبالة شاطئ غزة، وهذا من شأنه أن يؤمن الموارد المطلوبة لإعادة تأهيل وإعادة إعمار وإنعاش اقتصاد غزة. كما ومن شأنه أن يعزز الوضع المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بشكل عام.

.5 في ظل محدودية إمكانية تحقيق نمو إضافي في القطاع العام، يكتسب القطاع الخاص أهميته في الاقتصاد الفلسطيني كونه محركاً أساسياً للتنمية والتطور الاقتصادي في ظروف بيئة استثمارية غير مواتية، إضافة إلى أنه يعتبر مشغلاً هاماً للأيدي العاملة، وله دور مهم وأساسي في تقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية. ويتميز قطاع غزة بميزة ارتفاع الاستهلاك فيها نظراً لارتفاع عدد السكان، وهذا ما يشجع المستثمرين للتوجه بالاستثمار فيه   وربما ما حدث في الفترة الأخيرة خير دليل على ذلك حيث استقطب العديد من المستثمرين لإنشاء مشروعاتهم الاستثمارية خاصة المولات التجارية وغيرها في مخيم قطاع غزة نظراً للكثافة السكانية.

.6 نظراً لارتفاع معدل البطالة في قطاع غزة، فلا بد من تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة لما لها من دور بارز في تحقيق التنمية الاقتصادية والتخفيف من حدة البطالة. وهنا لابد من الوقوف على مؤسسات الإقراض التي تقدم القروض الميسرة والاستفادة من هذه القروض في مشاريع إنتاجية.

.7 أهمية العمل في إقرار خطة إنقاذ استراتيجية تنموية للنهوض بالقطاع الخاص في قطاع غزة والبحث في إنشاء منقطة تجارية حرة لتنشيط التجارة مع العالم الخارجي. وضرورة وجود الشفافية في سياسات الاستثمار بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، مع وجود الربط المعلوماتي اللازم لإقامة المشاريع، ترسيخ التعاون بين شركات القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات العامة.