توضيح الموضح في الشأن السوداني

تابعنا على:   13:44 2021-10-27

محمد مشارقة

أمد/ ليس مفيدا توصيف ما وقع في السودان، هل هو انقلاب عسكري متكامل الأركان على حكومة مدنية شرعية ام تصحيح للمسار، وذلك للاعتبارات التالية:

- أولا ، لا يمكن اعتبار الحاضنة السياسية لحكومة انتقالية انها تملك شرعية قانونية او أتت من خلال صندوق اقتراع ، كما ان القول انها تملك شرعية الثورة واحتكار تمثيلها ، مدخل بحاجة الى تدقيق ونقاش ااعمق ، خاصة ان تلك الحاضنة انشقت على بعضها ، وبات لدينا قوى الحري والتغيير 1 وجناح اخر بنفس الاسم ولكن برقم 2 , والطرفان يتشكلان من قوى سياسية وأخرى مسلحة وقعت على اتفاق السلام في جوبا ولكن الاتفاق لم يستكمل ، لان تنفيذ. الاتفاق لديه استحقاقات كبرى ومعلقة لمناطق الصراع التاريخي في الأطراف ويحتاج ليس فقط الى أراداه سياسية وتوافق وطني شامل والاهم استثمارات مالية تصل مليار دولار على الأقل لتحل مشاكل ادماج العناصر المسلحة في الجيش الوطني وتعويضات لضحايا الحروب ومصالحات اجتماعية وأخرى لأصحاب الأراضي والحواكير التي جرت مصادرتها على يد ميليشيات الجنجويد او ما يسمى زورا بالمكون العربي في دارفور، كما ان هذه المناطق بحاجة الى استثمارات هائلة للتنمية بعد ثلاثة عقود من الإهمال والتهميش ، وهو ما لا تملكه الحكومة المفلسة تماما .

- بانقسام البلاد، شارع مقابل شارع بين انصار المنشقين على الحرية والتغيير والمقربون من الجيش، باتت البلاد على اعتاب حرب أهلية، فالخرطوم وجوارها باتت غابة من السلاح ولكل الأطراف، كما ان الاحياء باتت مرتعا للجريمة المنظمة، وفقد الامن والاستقرار ، فضلا عن ازمة اقتصادية خانقة وتضخم مرتفع ، وصار الوضع اقرب الى المجاعة .

- وما زاد الوضع تعقيدا، قيام طرف اهلي في شرق السودان بالتهديد العلني بإعلان الاستقلال عن العاصمة، وقام هذا الطرف بإغلاق كل الطرق المؤدية الى الميناء الرئيسي للبلاد في بورسودان ، والأخطر هو ارتفاع الدعوات العنصرية باستبعاد مكونات عرقية وثقافية من مناطق الشرق بدعوى انهم مستوطنون اريتريون او زنوج من وسط افريقيا ، رغم ان بعض المكونات القبلية الرئيسية  من البنوعامر والحباب ، تعيش في المنطقة منذ ما يزيد على السبعين عاما وحتى قبل نشوء دولة السودان الحديثة عام 1956 . وحقيقة ان شرق السودان والتصعيد والتحريض القبلي والعرقي كان فتوحا على مسار واحد وهو الحرب الاهلية والتطهير العرقي.

- ما وصفته في مقالي السابق توضيحا لأسباب تدخل من الجيش باعتباره القوة الاجتماعية الوحيدة المتماسكة امام استفحال الازمة الداخلية في كل الأحزاب السياسية دون استثناء وانشقاقاتها المستمرة، ليس تأييدا لحكم العسكر الذين لا يمكنهم الحكم بعد تجارب الجيش الفاشلة منذ الاستقلال الى اليوم ، وانما نقلا للصورة. كما هي وبموضوعية ، خاصة وان كل السودانيين الذين شاركونا مسيرة المصالحة يعلمون جيدا ان الأصدقاء الأقرب الى قلبي ، والذين شجعوني وساندوني لإتمام برنامج  المصالحة بين الدولة والقوى المسلحة والتي توجت في اتفاق السلام ه الان اما رهن الاعتقال او الإقامة الجبرية وعلى راسهم الصديق العزيز عبد الله حمدوك رئيس الوزراء الشخصية الوطنية المحترمة والنزيهة ، وياسر عرمان مستشار رئيس الحكومة ،

الذي اعتبره من ابرز رجال النخبة السياسية السودانية واسعهم ثقافة وعلما وتجربة ، وخالد عمر سيليك وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء وهو من الشباب والاضافات النوعية من جيل الثورة للطبقة السياسية التقليدية . لكن وبنفس الدرجة يقف ثلة من الأصدقاء والرفاق الأعزاء الذين افتخر بصدقاتهم في الجهة الاخرى ، حيث عملنا معا طيلة سنة كاملة وصولا الى اتفاق السلام وعلى راسهم مني اركو مناوي، وجبريل إبراهيم والتوم هاجو ومبارك اردول وعلي عسكوري ، الذين وقفوا ضد المحاصصة وطالبوا بتعديل المسار حفاظا على وحدة التراب والسيادة السودانية ومن دخول البلاد في مرحلة " الفرتكة " بلغة السودانيين او التقسيم .

- ختاما أقول :لست منحازا الا الى التوافق الوطني والاستقرار ووحدة الأراضي السودانية ، إذ لا خيار سوى التعجيل في تشكيل حكومة التكنوقراط ، والمضي قدما في تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي ، والمؤتمر الدستوري لإقرار مشروع دستور جديد للبلد وصولا الى الانتخابات التشريعية والرئاسية ، ولتتفرغ الأحزاب السياسية للعمل بين الناس لتعزيز قدراتها السياسية ونفوذها استعدادا للانتخابات ، باعتبارها الرافعة الرئيسية لكسب الشرعية وليس وجودها في السلطة الانتقالية ، الذي افقدها الكثير من شعبيتها ، واوصلنا الى هذا المستوى من التناحر والاستقطاب الوهمي ، في بلد يقف على حدود الكارثة والانفجار الاجتماعي والتقسيم .

اخر الأخبار