الحكومة الألمانية الجديدة قد تهجر سياسة أنغيلا ميركل

تابعنا على:   13:35 2021-12-06

ماري ديجيفسكي

أمد/ ستبقى ألمانيا وفية لسمعتها الدولية، حتى لو لم تعُد كذلك في عيون مواطنيها، إذ تسير في طريقها للحصول بسلاسة على حكومة جديدة. فمن دون أي صخب يذكر، أكملت أحزاب "الاشتراكي الديمقراطي" و"الخُضر" و"الديمقراطيين الأحرار" اتفاقها الذي يمهّد الطريق أمام حكومة ألمانية ائتلافية تُعتبر أولى في نوعها منذ سبعين عاماً. طبعاً، يبقى ذلك مرهوناً بالتصويت المتوقع من أعضاء هذه الأحزاب لمصلحة تشكيل الائتلاف، لكن عهد ما بعد زعامة أنغيلا ميركل سيبدأ مطلع الشهر المقبل.

ويبدو جلياً من المسار الطبيعي للمفاوضات بالمقارنة مع الخلافات العلنية التي سبقت تشكيل حكومة ميركل الائتلافية الأخيرة، إضافة إلى عملية الانتقال الفاعلة ظاهرياً، أن غالبية التوقعات تؤشر إلى استمرارية سياسية ألمانية [في نظام الحكم]. فلا بد من التأكيد أن المستشار الألماني المكلف أولاف شولتز عمل نائباً لميركل في الحكومة المستقيلة، وكوزير للمالية، فقد تحكّم بخيوط تلك الحقيبة ومفاتيحها. لا يصغر شولتز (63 سنة) ميركل (67 سنة) كثيراً، وبوجود حزب الخُضر (وميله أكثر إلى اليسار اقتصادياً) في الائتلاف، إضافة إلى حزب "الديمقراطيين الأحرار" (الذي ينتهج مبادئ السوق الحرة)، فإن التوازن مؤكد في الحكومة الجديدة بشكل لن يثير أي مخاوف. 

في المقابل، إنني أتساءل إذا لم تكُن نسبة تلك الاستمرارية في نهج ميركل قد جرى تضخيمها، بغض النظر عن كون السبب في ذلك راجعاً إلى الأمل الذي يحمله كثير من الجماهير المؤيدة لميركل خارج ألمانيا، أو لأن المستشار المنتخب الذي حصل حزبه على غالبية بسيطة في الانتخابات، على يقين أنه من الأفضل له التمسّك بالاستمرارية على حساب تعزيز حالة من الريبة في ما لو كشف عن طموحاته قبل أن يجلس فعليّاً على مقعد المستشارية الألمانية.

وبعكس الآراء المنتشرة خارج ألمانيا، لم يحمل نيل "الاشتراكي الديمقراطي" المركز الأول في انتخابات سبتمبر (أيلول) الماضي في طياته، رغبة واسعة بتحقيق الاستمرارية في سياسات الحكم، فقد جاء تصويتاً من أجل التغيير، بعدما لاحظ كثير من المقترعين فترة من الركود الخانق على المستوى الوطني. بالطبع، يتوجّب على شولتز إعادة تصويب خطاب حملته، بعيداً من الظهور بمظهر الخليفة الطبيعي لميركل وإبراز الاختلافات.

واستطراداً، إن دعم ميركل الشخصي (المتأخر) لمرشح حزبي "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي" CDU/CSU، أرمين لاشيت خلال الحملات الترويجية التي سبقت الاقتراع، لم يمنح الأخير أي أفضلية تُذكر. وعبّر حلول لاشيت في المرتبة الثانية عن إخلاص المنتخبين لحزبهم، وليس للمرشح. لكن الأمر مغاير بالنسبة إلى شولتز. ومع مضي حملة الانتخابات قدماً، بدا الناخبون مشدودين إليه أكثر من ولائهم للحزب الذي يمثله. في الأيام الأخيرة للحملات الانتخابية، ظهرت عبارات "إن كنت تريد شولتز (مستشاراً) صوّت لمصلحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي" على اللافتات الانتخابية. وإن ذلك تحديداً ما فعلوه، أو على الأقل ذلك ما أقبلوا عليه بأعداد كافية سمحت لـ"الاشتراكي الديمقراطي" أن يصبح الحزب الأكبر في الـ"بوندستاغ"، البرلمان الألماني. 

واستطراداً، لقد نجم عن ذلك، وفق ما يظهر جلياً في نص الاتفاق على الائتلاف الذي جاء في 177 صفحة، تشكيل هذه الحكومة التي تُلقّب بــ"إشارة المرور" (اللون الأحمر إشارة إلى "الاشتراكي الديمقراطي"، والأصفر لـ"الديمقراطيين الأحرار"، والأخضر لـ"الخُضر")، ما يجعلها تتموضع على أكثر من صعيد، إلى اليسار من أي حكومة ألمانية سابقة، وبشكل كبير، ليس خلال الأعوام الـ16 الماضية في ظل إدارة حكومة يمين الوسط، بل ربما بشكل أكبر حتى من حكومة ائتلاف "الاشتراكي الديمقراطي" مع "الخُضر" الذي قاده المستشار غيرهارد شرويدر، التي جاءت بما اعتبر في حينه بإصلاحات قطاع الوظائف والضمان الاجتماعي في 2003، وقد وُصفت بأنها تقسو من أجل إحقاق الرفق (بالمجتمع) cruel-to-be-kind. كذلك توصف تلك الإصلاحات بأنها السبب وراء خسارة شرويدر في انتخابات 2005، لكنها عبّدت الطريق أمام حكومة ميركل التي جاءت نتيجة "الائتلاف الكبير" بين يمين الوسط و"الاشتراكي الديمقراطي". إن العمل القاسي بغية إصلاح نظام الضمان الاجتماعي، قد أُنجز [في عهد شرويدر]. 

عن اندبندنت عربية