أكذوبة الدولة اليهودية وأزمة العقل الاوربي الأخلاقية والمعرفية

تابعنا على:   18:42 2021-12-31

صالح عوض

أمد/ الخديعة أم الأكذوبة.. لعلها أكثر قضية أخذت من الجهد البشري في التصنيع النظري من خلال مراكز البحث والاستشراق في دوائر الاستعمار الحديث، و التصنيع العملي من خلال القوة العالميةالباطشة عسكريا وسياسيا لتصبح واقعا، و لتصير واحدة من مسلمات التاريخ المعاصر.. دولة اسرائيل..طفرة مفاجئة وطارئة على التاريخ والجغرافيا تحميها القوة بكل أنواعها، ولكنها تواجه قوة اتجاه نهر التاريخ المتدفق وعناد الجغرافيا المتمردة،متكئة على صاحب المشروع الاستعماري الذي لايعنيه الا المصالح فلا صداقة ولا احلاف مقدسة..

لا دين ولا حق انما الكذب والقوة:

يمكن الاستناد الى كثير من الوثائق التي صاحبت انطلاق المشروع الصهيوني لتأكيد طبيعة المشروع غير الدينية ويمكن متابعة قيام الكيان الصهيوني وافكاره ورؤاه وقيادته لنحصل على نتيحة واضحة ان المشروع ليس له علاقة بالدين اليهودي ولا باليهود كبشر انما هو ادة استعمارية اجمعت عليها قوى الشمال جميعا الشيوعي منها والراسمالي في محاولة استراتيجية تاريخية لانهاء خطر الجنوب وشلّه واخراجه من سياق الصراعات التاريخية الحضارية.. واستخدموا في ذلك العلمانيين اليهود المنخرطين في الاجهزة الامنية الاسستعمارية بعد ان اصبح واضحا ان الادوات السابقة لم تفلح في تفسيخ المنطقة وتعطيلها عن الحياة.

كما انه يمكن الاستفادة من عشرات كتاب يهود بارعين سواء كانوا اسرائيليين او في امريكا واوربا في النقاش لكشف الحقيقة لنجد كيف يدحضون بالعلم والمنطق والدين الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني والدولة الصهيونية، كما ان حركات يهود ضد الصهيونية تخوض معارك حقيقية لازاحة الاكذوبة عن النصوص الدينية ولالقاء التهمة الكبيرة على الصهاينة في الحاق الاذية باليهود، وعلى صعيد يهود العالم فبرغم كل الاغراءات التي تقدمها الحركات الصهيونية والدوائر الاستعمارية في العالم لهم الا انهم يستنكفون عن الذهاب الى ارض العسل واللبن ولعل كثيرين اكتشفوا زيف الدعاية الصهيونية فارتدوا على اعقابهم في هجرة مضادة الى كندا والولايات المتحدة واوربا، وبعد عشرات السنوات من البحث في الاثار انتهى كثير من الباحثين والمؤرخين الجدد الى حقيقة ان المبررات الصهيونية مجرد أوهام وكذب..

وباعادة الموضوع الى سياقه التاريخي من الصراع الكوني بين الشمال والجنوب من جهة، وتطور الاقتصاد في مجالات الصناعة والتكنلوجيا في دول الشمال وتطور المصالح الاستعمارية في بلاد الجنوب لاسيما البلاد العربية، وبفعل تراكمات الصراع ورمزيته حول المواقع الحساسة استراتيجيا في العالم.. اجتمع القرار باطرافه جميعا لوضع حد نهائي للمنطقة العربية واخراجها من سياقها التاريخي فكان لابد من فرض وقائع جديدة ويكون ضامن ذلك كله وجود كيان بشري غريب عن المنطقة بثقافته وحسه وانتمائه يؤدي وظائف امنية وعسكرية واستراتيجية لحماية التخلف والتحزية واستنزاف المنطقة واختراق مفاصل الحياة فيها ليتم في ظل ذلك سرقة ثروات المنطقة وفتح اسواقها للمنتوجات الرأسمالية..

ومنذ ايامه الاولى وجد الكيان الصهيوني عناية فائقة من قبل الشمال بشقيه الشرقي والغربي فلئن زودت بريطانيا وفرنسا الكيان بالسلاح والتكنلوجيا والامن والسياسة فلقد زود الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية الكيان بخيرة الضباط والمقاتلين بل لعل المستوطنين الاوائل كانوا من انتاج الاتحاد السوفيتي.. وهذا في احد ابعاده يكشف طبيعة صناع المشروع الفكرية والدينية انهم طبقة من العلمانين والملحدين.. لذلك فان المشروع الصهيوني كما هو واضح لايحوي يهودا فقط انما اخرين كثيرين ممن ينتمون الى ديانات اخرى فهناك مسلمون ومسيحيون وملحدون وبوذيون منخرطين في المشروع الصهيوني بفاعلية ونشاط اكثر من كثير من اليهود.

لقد تطور المشروع الصهيوني من خلال وقائع استطاع صنعها من كونه يبحث عن وطن قومي لليهود كما اقرته وزراة الخارجية البريطانية ومعها كل وزارات الخارجية في اوربا والولايات المتحدة.. الى دولة يهودية كما يصرح الان قادة اليمين الصهيوني واليمين هنا فلسفة اقتصادية اجتماعية تتدثر بشعارات دينية ولكن قوتها الحقيقية مستمدة من اليمين الامريكي.

عنصرية الاستعمار انتجت عنصرية الكيان:

لم يفكر قادة المشروع الاستعماري بحل المسألة اليهودية حلا انسانيا بعد ان مر اليهود بعقود طويلة بل قرون من الاستعباد والظلم في مجتمعات الشمال حيث مورست عليهم عنصرية قاسية في امريكا وبريطانيا وانحاء اوربا.. وانتهت العنصرية الغربية ضد اليهود بمجازر الهولوكست الفظيعة التي أودت بحياة الملايين من اليهود.. فبدل أن يتوجه العقل الاوربي والضمير الاوربي الى مصالحة تاريخية مع اليهود وتمكينهم من العيش الكريم في مجتمعاتهم كأصحاب أي دين ومعتقد مخالف اتجه دهاقنة الاستعمار الى الزج بهم في اتون معركة يدرك المستشرقون وقادة الفكر الاستعماري انها معركة طحن حضاري لن تنتهي بسهولة، لقد تم الزج بملايين اليهود في بقعة هي الاكثر أصالة بعروبتها الخالصة وهي الأكثر تجليا بسلامها الديني وتعايشها الانساني.. زجوا باليهود في منطقة لا يمكن ان تكون متعايشة مع كيان غريب دخل جسمها.. انهم لم يفعلوا ذلك من أجل اليهود بل اتخذوا من اليهود حسب المصطلحات العسكرية دورية مسلحة في الخنادق الامامية.. وقد قام الصهابنة باكبر خيانة تاريخية لليهود بربط مصير كثير منهم بتقلبات السياسة وتطورات الصراع واحتمالات خطيرة،وهذا القول يكرره يهود وحاخامات يهود كبار وساسة اسرائيليون اعتزلوا السياسة لهم وزنهم الفكري.

من هنا يجب التذكير بتاريخ الاقليات اليهودية التي عاشت في البلاد العربية والاسلامية عشرات القرون وكيف صنعوا تاريخا في سلام وتناغم وانسجام وكانوا جزءا من المجتمعات العربية يتمتعون مع العرب قبل الاسلام وبعده بحياة متفاعلة وحيوية لهم كما كل الاخرين الحق في الحياة واخذوا ماتمنحهم من حقوق.. ودفعوا ما عليهم من واجبات..

ان ملابسات صناعة الكيان الصهيوني تكشف ان المشروع الصهيوني انطلق-كأداة- اوربيا تحت رعاية الاستعمار وتوجيهه ودعمه اما اليهود في بلاد العرب والاسلام فكان لهم شأن اخر.. فهؤلاء سقط معظمهم في الاكذوبة بفعل عدة عوامل منها دور الحكام العرب الذين استجابوا للضغوط الغربية وللحركة الصهيونية بضرورة ترحيلهم كما قامت الحركة الصهيونية باعمال اغتيالات ليهود عرب لتدفعهم للرحيل الى الكيان الصهيوني وليستخدموا بما لديهم من معرفة باللغة والثقافة والمجتمع كادوات جاهزة لاختراق المجتمعات العربية..

ان العنصرية القائمة داخل الكيان الصهيوني بين الشرقيين والغربيين والافارقة يكشف حقيقة هذا الكيان ومهمته فبعد اكثر من سبعين سنة لم ينجح القادة الصهاينة رغم كل فعالية الادوات التي بستخدمونها من ايحاد شخصية اسرائيلية.. فاليهود العراقيون واليهود المغاربة والفلاشا والروس وهكذا.. كلهم يمثلون حالات فسيفسائية في مجتمع غير متجانس قابل للانفجار فيما لو تعرض الى اي ضغط خارجي حقيقي.. ثم اليهود العلمانيون واليهود المتدينون وانقسامهم الى كيانين متناحرين وصل الامر بينهما لاغتيال رئيس وزراء الكيان الصهيوني.. يهود علمانيون يسكنون الساحل الفلسطيني رغم ان لا روايات صهيونية عن وجود سابق لليهود بالساحل الفلسطيني ويهود متدينون لايرى في تل ابيب الا "دار عهر وفساد" ويتمترسون حول روايتهم المتطرفة العنصرية بالسكنى في"يهودا والسامرة".

خارج سياق العقل والاخلاق:

اي رب هذا الذي يبارك بشرا اذا ظلموا وقتلوا ونهبوا اخرين ليس لسبب الا لعرقهم وتفضيلهم لسلالتهم عن الاخرين.. تساؤل اطلقه عشرات الكتاب والحاخامات اليهود.. وكما قال موشي ديان وزير الحرب الصهيوني في اخر لقاء صحفي به: "ان غباء فادحا يجتاحنا فلا توجد وثيقة الهية تمنحنا الحق في الاستفراد بالارض لان الرب لم يقل ان هذه الارض لنا نحن فقط بل هو منحها لابناء ابراهيم فنحن والعرب من ابناء ابراهيم".. فهل يعقل ان تكون العلاقة بين البشر ان يدعي كل طرف ان الهه وعده بالتملك والسيادة وذبح الاخرين واخراجهم من بيوتهم فاي اله هذا واي حياة ستصبح محتملة.. ثم ان الرواية الصهيونية المتطرفة المتسمة بالديماغوجية و البروبوغندا لا توضح بالضبط اين حدود الدولة التي كانت لهم على اعتبار صحة الزعم بان لهم مملكة سابقة في فلسطين؟؟ هل في مدينة او قرية او وادي؟؟ ولنفترض ان سابق جدودهم سكنوا بلدة فاين اهلها الاخرون ونحن نعرف ان الكنعانيين هم اهل الارض منذ عشرة قرون وان العبرانيين مروا مرورا ببلاد كنعان يؤكد ذلك كل البحوث التاريخية..وهل كل من سكن اجداده الغابرون يوما ارضا تصبح ملكا له؟ وهنا فارق آخر لابد ان نطرحه هل السكنى تعني السيادة والتملك التاريخي؟ فماذا نقول عن الولايات المتحدة الامريكية واي حق بالمنطق الصهيوني والغربي للامريكان الاوربيين بتملكها واقامة دولة فيها وقد انتزعوها من اهلها الاصليين وبلاد الاندلس الم يعش فيها العرب عشرة قرون واقاموا حضارة وملكا لم تبلغه اوربا يومذاك فهل يستطيع العرب الادعاء بانهم سيعودون للاندلس ويطهروا ارضها من الاسبان المسيحيين؟.. ان الكيان الصهيوني حالى في خارج سياق العقل والاخلاق وكل من خضع للتعامل بشكل طبيعي معه يكون حقا قد تم اختراق عقله وتلويثه بفيروسات التاكل للمعلومات وتم تشويه روحه ونفسه.

ولكنها الحالة الاستعمارية المتطرفة التي لاتريد ان تصغي لدروس التاريخ ولا تعطي فرصة للاخلاق والعقل فبأي منطق يمكن فهم ما ذهب اليه حكام امريكا ترمب مؤخرا وبوش سابقا.. بأي منطق او اخلاق او عقل يمنح ترمب القدس للصهاينة وتعمى عيناه عن شواهد القدس العربية الاسلامية والمسيحية؟؟ كيف يمنح الجولان لنتنياهو عربون لوقوف نتنياهو معه في الانتخابات الرئاسية..الم يدّع بوش الابن ان الرب كلفه بغزو افغانستان وغزو العراق؟ الم يدع الصهاينة ومن خلفهم الاستعماريون ان لليهود الحق في وطن قومي لهم في فلسطين؟
اي منطق يحعل اصحاب كل دين يقيم دولة خاصة بهم ويستعبدون غيرهم أو يقتلونهم؟ واي دين يسمح بطرد البشر الامنين من بيوتهم وديارهم التي ولدوا هم واجدادهم فيها ولم يغادروها الاف السنين؟

في زمن العلمانية وفصل الدين عن الدولة يتعاون العلمانيون على تكريس دولة دينية، وفي عهد قوانين محاربة العنصرية والميز العنصري يدافع ساسة العالم عن الكيان العنصري الى الدرجة التي يصبح نقد الكيان الصهيوني جريمة يقاضي عليها القانون في بعض الدول كما لا يقاضي على العبث بتاريخ السيد المسيح عليه السلام ويعتبر اي نقد للكيان الصهيوني والمشروع الصهيوني معاداة للسامية وهنا مغالطة معرفية جديدة وكأن اليهود الخزر ويهود اوربا ساميين فمن المعروف ان السامية تعني سكان بلاد العرب وحولهم..

انها مقولات خارج سياق العقل والاخلاق والمنطق ولايمكن النظر اليها بعيدا عن التحليل المحايد والموضوعي لكي نصل الى احكام اخلاقية موضوعية صحيحة لان الاصرار عليها يعني بوضوح ان لانية للقوى المتحكمة في القرار والاعلام الغربيين لمصالحة تاريخية بين الجنوب والشمال.. وهكذا يبدو ان المستعمرين اصابهم عمى واندفعوا بقوة رهيبة في مسار لايمكن ايقافه.. فمصلحة الشمال الحقيقية تكمن في علاقات صحية وطبيعية مع بلاد الجنوب وبامكان العقل ان ينتج صيغا صحية لهذه العلاقات.. فالشمال يحتاج الجنوب كما هي حاجة الجنوب للشمال بل ربما اكثر.. من هنا بالضبط يتم بث روح جديدة في خطابنا السياسي والفكري وذلك بالتركيز على أثار الدعم الاستعماري للكيان الصهيوني المتمثلة بروح العداء المستفحل بين الشمال والجنوب والتربص والاحقاد..

ان حل المسألة اليهودية يجب ان يكون انسانيا فاليهود كما كل البشر يجب ان ينعموا بالامن والاستقرار في مجتمعاهم ولايضارون بشيء عليهم واجبات ولهم حقوق يكفل ذلك الشرائع السماوية والتشريعات الارضية.. وهذا يعني ضرورة الكف عن دعم الكيانات العنصرية الدينية والعرقية، فالحياة المدنية تجاوزت ذلك ولا عودة للوراء.

كلمة لابد منها:

ان مشاريع التسوية والمنخرطين فيها كانت الوصفة الضالة لحل الأزمة.. فهي من أمدّ العنصريين الصهاينة بوقت إضافي ووسع جبهتهم وأغراهم بمزيد من العدوان والاستيطان وخفف عنهم الضغط المتزايد من قبل الضمير الاسناني سواء كان من يهود او مسيحيين او غير ذلك حيث اصبح الكيان الصهيوني نموذجا للفساد السياسي والمالي والجريمة وقتل الامنين والعدوان المستمر على الاطفال والنساء والبيوت..
ان السير في طريق تسوية مع الكيان العنصري يعني بوضوح اعطاء العنصرية اكسجينا اضافيا.. ويعني كذلك ان هناك انزياحا خطيرا عن البعد الاخلاقي و القانوني والمنطقي.. وهو مشاركة بشكل مباشر في استمرار الجريمة..

كما كان مشروع الكيان الصهيوني طفرة طفيلية طارئة خارج سياق التاريخ والجغرافيا فانه سيزول حتما ولكن لابد من الالتفات مجددا الى مبرراته انه المؤامرة والقوة والاكذوبة وعندما يشعر المسيرون الاستعماريون ان تكلفة المشروع اكثر من فوائده او ان وجوده سلحق خسارات فادحة بالمشروع الاتسعماري حينذاك ستسقط الاكذوبة وتنسحب القبة وتنكشف المؤامرة كما حدث في اكثر من مكان في الجزائر وجنوب افريفيا وافغانستان.. وهنا يصبح واجبا على الضمير الانساني والعقل البشري ان يفند الاكذوبة وينصر الانسانية المعذبة بنار العنصرية في فلسطين.