قمة جين بينج – بوتين ومقدمات لبداية تغيير قواعد النظام الدولي

تابعنا على:   19:15 2022-04-18

محمد مشارقة

أمد/ ملخص تنفيذي:
فرضت الحرب الأوكرانية أسئلة كبرى على صانع السياسات تتعلق بالعلاقات الصينية الروسية، كعامل حاسم في تقدير النتائج النهائية في مسار الحرب وقدرتها على تحقيق الأهداف الروسية، بما في ذلك التعامل مع العقوبات القاسية والشاملة التي بدأتها الدول الغربية ضد موسكو. فقد بات واضحا ان المستفيد الاول من هذا التمرين العسكري الروسي في أوكرانيا هو القوة الصاعدة والمنافس الاول للهيمنة الامريكية على العالم وهي الصين. من أوكرانيا تختبر المساحة التي يمكن ان تصلها دول حلف الناتو في الرد على المحاولة الروسية لتغيير خارطة العلاقات الدولية ومنظوماتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
 لفحص طبيعة العلاقات الروسية الصينية في مرحلتها الراهنة، يشكل البيان المشترك لقمة الزعيمين الصيني والروسي وال 5300 كلمة التي احتواها البيان مطلع فبراير الماضي. واعتبرته الدوائر الغربية مؤشر على التحول في مجرى ومستقبل العلاقات الدولية وتأسيس لعلاقة بعيدة المدى ترمي قفاز التحدي في وجه الولايات المتحدة كقوة عالمية، ومعها حلف الناتو كقاعدة راسخة للأمن الدولي، والديمقراطية الليبرالية كنموذج للعالم. قد يقرأ البيان في الغرب على انه بداية " لحرب باردة ثانية “. فالوثيقة الختامية توصف باعتبارها دليل عمل شامل تقترحه الدولتان والذي يضع الأسس الفكرية والسياسية والاقتصادية لبناء نظام عالمي جديد. "فالصداقة بين الدولتين لا حدود لها”. ولا توجد مجالات "محظورة" للتعاون ".
قراءة في البيان المشترك  
الازمات الراهنة
- المفارقة الملفتة ان روسيا والصين لا تطلقان على شراكتهما اسم تحالف على غرار الحلف الغربي والناتو. لكنهما لا يخفيان ان علاقتهما الجديدة تتجاوز مفهوم الاحلاف التقليدية، وصولا لتحالف استراتيجي شامل. جاء في البيان أن شي وبوتين "يعيدان التأكيد على أن العلاقات الجديدة بين روسيا والصين تتفوق على التحالف السياسي والعسكري في حقبة الحرب الباردة. إذ لا حدود للعلاقة بين الدولتين، "ولا توجد مجالات تعاون محظورة “، مع التأكيد على ان "تعزيز التعاون الاستراتيجي الثنائي لا يستهدف دول ثالثة ولا يتأثر بالبيئة الدولية المتقلبة والتغيرات الظرفية ". في هذا السياق لاحظ المراقبون ان البيان لم يذكر الازمة الأوكرانية بالاسم، لكن الوثيقة الختامية استعاضت عن ذلك بفقرة ذات دلالة تقول " ان روسيا والصين يقفان ضد محاولات القوى الخارجية لتقويض الأمن والاستقرار في المناطق المتاخمة المشتركة بينهما، وتعتزمان مواجهة تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة تحت أي ذريعة، ومعارضة الثورات الملونة “. فيما يدعم الجانب الصيني المقترحات التي قدمها الاتحاد الروسي لإنشاء ضمانات أمنية طويلة الأجل ملزمة قانونًا في أوروبا. وبالمقابل، وتأكيدا على التكامل، تعارض روسيا أي شكل من أشكال استقلال تايوان”.
- في الوثيقة المشتركة ما يشير الى طبيعة المخاوف الصينية الراهنة والاهداف السياسية والتي ترتقي الى حالة استقطاب صريحة في جنوب شرق اسيا، عندما يعرب الجانبان عن قلقهما البالغ من " الشراكة الأمنية الثلاثية بين أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة المعروفة باسم، (AUKUS) ، والتي تنص على بدء التعاون في مجال الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية. ويصف البيان المشترك هذا التطور بانه، يهدد الأمن والتنمية المستدامة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويزيد من خطر حدوث سباق تسلح في المنطقة.
الديمقراطية: اشتباك أيديولوجي قادم  
- في البيان، ما يفصح عن اتجاه الصراع الايديولوجي القادم بين التكتل الجديد، و"المنظومة الديمقراطية الغربية” بقيادة واشنطن، حيث يقدم البيان المشترك مفهوما خاصا للديمقراطية مقابل ما يعرف "بالديمقراطيات الغربية واليات التمثيل عبر صندوق الاقتراع ". جاء في البيان، أن "روسيا والصين كقوتين عالميتين لهما تراث ثقافي وتاريخي غني ولديهما تقاليد ديمقراطية طويلة الأمد، والتي تعتمد على آلاف السنين من الخبرة في التنمية، والدعم الشعبي الواسع الذي يلبي احتياجات ومصالح المواطنين ". يضيف البيان ان "الأمر متروك لشعب كل بلد فقط ليقرر ما إذا كانت دولته ديمقراطية". وحذر البيان من أن "الدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان يجب ألا تستخدم للضغط على دول أخرى". ف "لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع لتوجيه البلدان في إرساء الديمقراطية”.
في المجال الاقتصادي
-  يقدم الجانبان مفهوما جديدا للعلاقات الاقتصادية بين الدول، والذي يقوم على أساس الجدوى والمنافع المتبادلة بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي، بفكرة جوهرية تقوم على " أن السلام والتنمية والتعاون هو جوهر النظام الدولي المقترح. فالتنمية محرك رئيسي في ضمان ازدهار الدول”. لهذا يتفق الجانبان على زيادة ربط اقتصاداتهما بشكل أوثق من خلال التعاون بين مشروع "الحزام والطريق "الصيني والاتحاد الروسي. وانهما سيعملان معًا لتطوير القطب الشمالي، وتعميق التنسيق في المؤسسات متعددة الأطراف ومواجهة تغيرات المناخ.
- أعلنت الصين وروسيا، عن صفقات جديدة للنفط والغاز تقدر قيمتها بنحو 117.5 مليار دولار. تم توقيع شركة روسنيفت، أكبر منتج للنفط في روسيا، اتفاقية جديدة لتوريد 100 مليون طن من الخام عبر كازاخستان إلى شركة النفط الصينية الحكومية على مدى السنوات العشر المقبلة، بينما تعهدت شركة الطاقة الروسية غازبروم بشحن 10 مليارات متر مكعب من الغاز. سنويا إلى الصين من خلال خط أنابيب جديد. بهذا تصبح الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، فقد سجل ميزان التجارة بين البلدين في العام 2021 رقماً قياسياً بلغ 147 مليار دولار.
- يعارض الطرفان التوجهات الأحادية والحمائية التي تحاول الولايات المتحدة فرضها في ميدان التجارة الدولية متعدد الأطراف والقائم على الدور المركزي لمنظمة التجارة العالمية. وهي الرؤية التي تصب في صالح الصين نظرا لقاعدتها الصناعية والإنتاجية الضخمة ورخص الايدي العاملة، وبالتالي قدرة تنافسية عالية، ليس مع روسيا التي تقتصر صادراتها على السلاح والقمح والنفط، بل مع الدول الصناعية المتقدمة.  
- بهذا الاتفاق ، تسحب الصين الاتحاد الروسي شرقا نحو مشروعها لتعزيز النفوذ الاقتصادي من خلال "منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ " باعتباره المنصة الرائدة لخلق بيئة تجارة واستثمار حرة ومنفتحة وعادلة وغير تمييزية وشفافة  ودفع عجلة الانعاش الاقتصادي، ورقمنة مجالات الحياة المختلفة .في هذا السياق يتطلع الجانب الصيني ان تستخدم روسيا علاقاتها التاريخية والمميزة مع الهند ، لجهة التقليل من اثار انحيازها الكامل للولايات المتحدة ، وتعزيز التعاون معها في المجالات الاقتصادية والتجارية المختلفة والحد من التوتر الحدودي القائم بين البلدين ، وذلك من خلال تعزيز  التعاون والدور المركزي لقمة الآسيان لدول شرق آسيا ، كعنصر رئيسي في الهيكل الإقليمي.
- - يتطلع الجانبان بعد هذه القمة لحلف اقتصادي ومالي عالمي أوسع سواء في إطار منظمة شنغهاي او بتحويل مجموعة " البريكس " الى شراكة استراتيجية عميقة، ويعززان التعاون في ثلاثة مجالات رئيسية: السياسة والأمن، والاقتصاد والتمويل، والتبادلات الإنسانية. كما تعتزم روسيا والصين تشجيع التفاعل في مجالات الصحة العامة والاقتصاد الرقمي والعلوم والابتكار والتكنولوجيا، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تعزيز تنسيق مجموعة بريكس بلوس، وتطويرها كآلية فعالة للحوار مع التجمعات الإقليمية ومنظمات البلدان النامية والدول ذات الأسواق الناشئة.
- يضيف الجانبان تصورا جديد لمنظمة شنغهاي، بإضفاء ديناميكيات جديدة للتفاعل الاقتصادي بين الدول الأعضاء ذات الطابع الاقتصادي في مجالات التجارة والتصنيع والنقل والطاقة والتمويل والاستثمار والزراعة والجمارك والاتصالات والابتكار وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك، لتنتقل بعد قمة بكين الى دور سياسي يعمل على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب على أساس مبادئ القانون الدولي المعترف بها عالميًا، والتعددية، والأمن المتكافئ والمشترك والشامل والمستدام.
الامم المتحدة: إعادة هيكلة
- يتقدم الجانبان الروسي والصيني القوتين العظميين دائمتي العضوية في مجلس الامن، بفهمهما المشترك لمستقبل الامم المتحدة ومنظماتها المختلفة، كضامنة للأمن والسلم الدوليين، بعد ان تحولت الهيئة الدولية الى " ناد للفقراء " بينما تحل كافة الازمات الدولية خارج مجلس الامن المعطل بقوة الفيتو الدائم من الدول الخمس دائمة العضوية، حيث تستفرد الولايات المتحدة وحلفها الغربي في قرارات الحرب والتدخل وفرض العقوبات عبر أذرع واليات المؤسسات الدولية التي تتحكم بها. ولهذا يدعو البيان الى العودة للدور التنسيقي للأمم المتحدة في معالجة الازمات الدولية، والتمسك بميثاق المنظمة. كل ذلك بهدف " خلق نظام جديد متعدد القطبية أكثر ازدهارًا واستقرارًا وعدالة وإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية".
الخلاصة:
• تقدم القراءة المعمقة للبيان الختامي لقمة بوتين – تشي، الدليل على ان القوتين العظميين، قررتا وعلى المدى الطويل التأسيس لتحدي النظام الدولي القائم، الامر الذي يضع هذه القمة ونتائجها في مصاف المحطات التاريخية الكبرى التي رسمت معالم النظام الدولي المستقبلي. فموسكو وبكين بهذا الإعلان وضعتا الأسس طويلة الاجل لتغيير الركائز الثلاث للتفوق الأمريكي وتسيده على العالم. وتتقدم برؤى جديدة تؤسس لنظام تقولان انه أكثر أخلاقية وعدالة، لكنه يستجيب لتقديرات مخرجات الحرب الأوكرانية وبداية حرب باردة جديدة. والتحدي الذي يرفعه الزعيمان يستهدف المكونات الثلاث التي مكنت واشنطن من احكام قبضتها ونفوذها وهي: قمة الدول السبع الكبرى المتقدمة والشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات الاقتصادية العالمية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية)
بكل وضوح يعلن الزعيمان تشي جينبينج وفلاديمير بوتين أن "اتجاهًا قد يبزغ اليوم نحو إعادة توزيع السلطة في العالم". يؤكد البلدان انهما يساندان بعضهما في مجمل القضايا العالمية، فالصين تنضم اليوم لروسيا في معارضة توسيع الناتو على حدودها الغربية. وموسكو بدورها تعلن تأييدها لسياسة الصين الواحدة الموحدة ودورها المتزايد في منطقة المحيطين وان تايوان جزء لا يتجزأ من الصين.
  ولعل أفضل تعبير عن القلق الذي اثاره البيان الختامي، تقييم "أنجيلا ستينت، الخبيرة الروسية السابقة في مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي بأنه "نقطة انعطاف" حيث تتحدى روسيا والصين موازين القوى التي شكلت النظام العالمي منذ انتهاء الحرب الباردة، قبل ثلاثة عقود. "يمكن أن يكون العالم امام بداية حقبة جديدة حيث تتدهور العلاقة الروسية والصينية مع الغرب." وأضافت أن الاتفاقية تضع واشنطن وحلفائها الرئيسيين "في مأزق رهيب".
بعض التقديرات الغربية وصفت التصعيد الأمريكي تجاه روسيا في الازمة الأوكرانية انه يستهدف بالدرجة الاولى ابعاد موسكو عن الصين، لكن النتائج كانت معاكسة تماما، فالزيارة التاريخية لبوتين للعاصمة الصينية والتوقيع على معاهدة تتجاوز التحالف التكتيكي، بهذا الاتفاق تتحوط موسكو من فرض الولايات المتحدة والتحالف الغربي عقوبات اقتصادية شاملة عليها، لا سيما حصارها في مجالات تصدير الطاقة لأوروبا واخراجيها من نظام المدفوعات المصرفي العالمي (سويفت). لكن التقديرات الروسية للحرب الأوكرانية دخلت طورا أكثر تعقيدا وربما مفاجئا.
فالحسابات الروسية المعلنة كانت ترمي الى ضمان امنها الاستراتيجي وإعلان أوكرانيا منطقة محايدة لا تهدد وعلى المدى الطويل حرية الملاحة الروسية في البحر الأسود مقابل تطمين الطرف الاوكراني بضمان وحدة وسيادة البلاد ووقف ما تسميه موسكو سياسة التمييز والتطهير العرقي للأقلية الروسية في البلاد. كما راهنت موسكو على ان التحدي الصيني أكثر إلحاحًا في الاستراتيجية الامريكية من تركيع روسيا، لكن حجم العقوبات وشموليتها يدلل على ان الاولويات الاستراتيجية الامريكية تتجاوز هذا الفهم لصالح حصار الصين عبر خارطة تحالفاتها الإقليمية والدولية.
سيكون العالم امام موجة جديدة من الاستقطاب وحروب بالوكالة، وفوضى في خارطة التحالفات، خاصة وان هذا الانقسام والتنافس ليس بين نظامين مختلفين أيديولوجيا، او بين الرأسمالية والاشتراكية كما حصل اثناء الحرب الباردة وانتهت بسقوط أحدهما. هنا يتقدم اعتباران جوهريان، الاول، ان حجم التداخل الكبير والمعقد في اقتصادات دول العالم، بعد ان تحولت الصين الى " مصنع العالم"، والثاني، ان التجربة الصينية في التنمية المتوازنة باتت محل اهتمام دولي واسع، خاصة افكار اقتصاد السوق الاجتماعي، وتقليص الفجوات الهائلة بين الطبقات، وعودة الدولة لتلعب دورها الموجه والمخطط، على حساب الليبرالية الجديدة، بعد الازمات الاقتصادية والمالية والوبائية الكبرى التي مرت في العقد الماضي.
عربيا ، وفي ضوء انحسار  الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الاوسط لصالح أولويات أخرى ، وفي مقدمتها الملف النووي الايراني ، فان الانظمة الحاكمة ستقرأ وثيقة بوتين – تشي ، باعتبارها خشبة خلاص ، بعد التأكيد على عزل موضوع الديمقراطية وحقوق الانسان ، عن التنمية والازدهار والتعاون في المجالات الاقتصادية والتقنية والامن والدفاع ، فلا شروط لبكين وموسكو على تلك الدول في هذه المجالات ، كما أن التيارات السياسية الأساسية الثلاث في العالم العربي ، القوميون واليساريون والاسلاميون ، سيفرحون بولادة "مانيفستو" ودليل عمل جديد ، لمواجهة الهيمنة الاستعمارية  الغربية ، وان لديهم اليوم ظهيرا قويا يستندون اليه في كفاحهم ضد الهيمنة الرأسمالية ، ووضعها للأولويات الأمنية والوجودية لهذه الدول في موقع متأخر ، والاهم من كل ذلك ، ظهور قوى عظمى  تتحدث عن احترام خياراتهم وخصوصياتهم الحضارية والثقافية والدينية ، ولا غرابة ان يبادر بعض الحكام العرب الى تغيير بنود الدستور بما يؤمن لهم حكما مطلقا ، ولا غرابة أيضا من اطلاق الدعوات التي تشكك في جدوى الديمقراطية وصندوق الاقتراع باعتباره الوسيلة الواقعية لتمثيل الشعب وتبادل السلطة سلما .

* مركز تقدم للسياسات – لندن