طريق محكمة الجنايات الدولية من أوكرانيا إلى فلسطين

تابعنا على:   08:08 2022-04-28

جمال زحالقة

أمد/ وجّهت في الأسابيع الأخيرة لمحكمة الجنايات الدولية دعوات لإجراء تحقيق معمّق وشامل حول تهم ارتكاب جرائم فظيعة في الحرب الروسية على أوكرانيا. وسارع رئيس المحكمة كريم خان، إلى إصدار قرار بالتحقيق في شكاوى سابقة ضد روسيا بشأن حرب القرم عام 2014، مع توسيعه إلى الحرب الحالية.
وأبدى العديد من الدول استعدادا لتقديم العون والدعم وكل ما يلزم لزيادة قدرات المحكمة في القيام بدورها. وتبعا لتطورات الحرب، ورغبة الدول الغربية في ردع ومعاقبة القيادة الروسية، ارتفعت بشكل كبير مكانة محكمة الجنايات، التي تعرّضت في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى حملة شعواء لتقويض شرعيّتها. ويزيد هذا التطوّر اللافت، من هيبة وشرعية المحكمة الدولية، وبالتالي من إمكانيات القيام بتحقيق جدّي في جرائم الحرب الإسرائيلية وملاحقة القيادات السياسية والعسكرية المسؤولة عنها.

وإذا كانت هذه الإمكانية تثير قلقا في إسرائيل، فقد تحوّل هذا القلق إلى خشية حقيقية. ونشرت مراكز البحث الأمني، مؤخّرا، أوراق بحث وتقدير موقف بهذا الشأن، ونشرت كذلك الصحافة الإسرائيلية مقالات لضبّاط سابقين ومختصين في القانون. ويجمع كل الذين تطرّقوا إلى الموضوع على أن الارتفاع الملحوظ، في محافل الحكم والرأي العام الغربي، في شرعية محكمة الجنايات الدولية وفي تثمين دورها واحترام قراراتها، سوف يرتد سلبا على إسرائيل، ويفتح الباب لتحقيق غير متهاون معها ومع قياداتها. لقد تبلورت في إسرائيل ثلاثة مسارات لمواجهة التطورات المحتملة في الجنايات الدولية. الأول، الضغط على السلطة الفلسطينية حتى تتراجع، والثاني التأثير في المحكمة لوقف التحقيق، والثالث التحضير على كل المستويات للتصدّي لتبعات التحقيق. وكانت إسرائيل قد عيّنت طاقما خاصا العام الماضي للتعامل مع القرار الذي اتخذته المحكمة بالشروع بالتحقيق في الشكاوى الفلسطينية، بشأن جرائم الحرب في غزّة والضفة الغربية والقدس. ويشمل هذا الطاقم أهم العقول القضائية والعسكرية والسياسية في الدولة العبرية. لن يكون من السهل التصدّي للهجوم الإسرائيلي المضاد، لكن لا خيار إلا الانتصار في هذه المعركة، لأنّ ثمن الخسارة لن يكون بالأموال، بل بالأرواح، لأن إسرائيل ستعتبر الإفلات من العقاب ضوءاً أخضر لارتكاب ما هو أفظع. وعليه يجب التجهيز بجديّة للصمود أمام الضغوط الإسرائيلية المقبلة. وفي الأسبوع الماضي وفي هذا السياق، نشر الكولونيل احتياط موشيه إلعاد الرئيس السابق لجهاز التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، والحاكم السابق لجنين وطولكرم، مقالا في صحيفة «يسرائيل هيوم» مهدّدا بأن «التوجه إلى محكمة لاهاي هو خط أحمر ولن تتردد إسرائيل في تدفيع الثمن للفلسطينيين.. إمكانيات الضغط على السلطة الفلسطينية كثيرة وفعّالة ومؤثّرة، وقد جرى تفعيلها في الماضي ويجب تفعيلها الآن». هذا ليس مقال رأي، بل رسالة من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الى القيادة الفلسطينية، بأن الاحتلال سيقوم بمحاربتها إن هي مضت في إجراءات لاهاي، وهذا بحد ذاته تعبير عن تحوّل القلق المعهود إلى خوف حقيقي.

وحدة وطنية فلسطينية أمام المحكمة

الصمود الفلسطيني أمام العاصفة المقبلة هو مفتاح تحقيق الهدف في لاهاي، وهو فرض العقوبات واعتقال المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب بحق الشعب الفلسطيني. ومن الواضح أن إسرائيل لن تتردد في اتخاذ خطوات من الوزن الثقيل لمنع مثل هذا التطوّر. وهنا لا بد من حماية التوجّه الفلسطيني للقضاء الدولي عبر صد الضغوط الإسرائيلية، وفي مقدّمة ذلك ترتيب الأمور على الساحة الفلسطينية نفسها. وبما أن إنهاء الانقسام غير وارد حاليا، يجب الاتفاق على الأقل على وحدة وطنية في هذا المجال عبر رزمة من التفاهمات تشمل الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني وبيروقراطيا المنظمة والسلطة ذات الصلة. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن صك التفويض بالتحقيق يشمل أيضا التحقيق في ما قامت به الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل. يجب أن يكون الرد الفلسطيني على التهديدات الإسرائيلية موحّدا وقويّا وحازما، خاصة أن إسرائيل، التي تعرف أنّه من المستحيل أن يكون هناك تراجع فلسطيني علني ورسمي، قد تسعى الى «إقناع» القيادة الفلسطينية بفرملة السعي لتنفيذ التحقيق وإلى التفاهم حول دفن الشكاوى، من دون التنازل عنها علنا، وحتى على إصدار بيانات حول «نفاق المجتمع الدولي».
هناك مصلحة لجميع الأطراف على الساحة الفلسطينية بالعمل المشترك في ملف الجنائية الدولية، السلطة الفلسطينية ستحظى بدعم شامل وباستعداد واسع لدفع ثمن المواجهة، ما يعزز قدرتها على الصمود أمام ضغوط الاحتلال، وما يضمن لها ألا يستغل أحد الفرصة لنيل مكاسب فئوية في معمعان هذه المعركة التاريخية، وهي تاريخية فعلا ومصيرية فعلا. أما حماس فمن مصلحتها الانضواء تحت مظلّة فلسطينية موحّدة تقدم الأجوبة الشافية على التهم الموجهة للمقاومة الفلسطينية من جهة، وتعمل على فرض واقع جديد يردع إسرائيل عن المضي في ارتكاب جرائم الحرب، كالتي ارتكبتها في غزّة والضفة وتهدّد بمثلها وبأفظع منها. كما أن العمل الموحّد يتيح للجميع فرصة للمساهمة من جهة، وللمراقبة ولضمان عدم التراجع من جهة أخرى.

المساندة العربية

يحتاج الفلسطينيون إلى ظهير عربي لخوض معركة الجنايات الدولية، لكن هذه الحاجة تصطدم مع عداء معظم، إن لم يكن كل، الدول العربية لمحكمة الجنايات الدولية، خاصة أن قسما من هذه الدول يرتكب بنفسه جرائم حرب، ويخشى أن يأتيه الدور. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن الاستغناء عن الدور العربي لتعزير الصمود الفلسطيني أولا، وللضغط على المحكمة حتى تقوم بواجبها، ثانيا، ولتقديم المساندة المهنية في المواجهة القضائية المعقّدة، ثالثا. ومن المؤكّد أن الطاقات الضخمة للمجتمع المدني العربي والقدرات المهنية الكثيرة والوازنة، يجب أن تستثمر لإلحاق الهزيمة بمشروع جريمة الحرب الإسرائيلي، الممتد من نكبة 1948 حتى اليوم. أمّا على صعيد الأنظمة العربية، فالأمل ضئيل أن تلعب دورا إيجابيا، لكن يجب العمل على ردعها عن محاولة مساعدة إسرائيل للخروج من ورطتها، وهذه مهمّة المثقفين العرب والقوى الحية في المجتمعات العربية. ومع أن إمكانية الاستجابة ضئيلة، يجب عدم اليأس من تكرار أن واجب الدول العربية دعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه، وتعزيز صموده أمام الضغوط الإسرائيلية، وتوفير شبكة أمان مالية في حال فرضت عليه إسرائيل حصارا ماليا، كما تخطط.
لقد تأخّر التحقيق الفعلي بشأن جرائم الحرب التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، واستبشر الإسرائيليون خيرا بما وصفوه «تجميد» الملف من قبل كريم خان الرئيس الحالي للمحكمة، واعتبر بعضهم ذلك مؤشّرا إلى نوايا بدفن الملف. وحين وجّهت هذا السؤال إلى أحد الأصدقاء، المطّلع عن قرب على عمل محكمة الجنايات الدولية، أجابني، أن العكس هو الصحيح، وأن خان يسعى إلى كسب المزيد من الشرعية في التحقيق الأوكراني، لينقض بعدها على الملف الإسرائيلي مستقويا بشرعية معزّزة. في كل الأحوال يجب التأكّد من سبب «التجميد» عبر اتصالات مباشرة بالمحكمة الدولية، ومن المهم أيضا أن يسمعوا الصوت الفلسطيني حتى وهم غارقون في الملف الروسي الأوكراني. إن النص التفصيلي لمعاهدة روما 1998، التي قامت على أساسها عام 2002 محكمة الجنايات الدولية مهم للغاية وهو يوفّر أساسا قانونيا متينا لإدانة إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية. لكن ما لا يقل أهمية هو السياق السياسي في العلاقات الدولية، الذي يتطور في إطاره دور المحكمة، لذي يحكم حدود قراراتها الملزمة. وإذ تشير كل المعطيات إلى أن دور المحكمة يزداد ويتعاظم في ظل الحرب في أوكرانيا، فإن المطلوب والملح هو اغتنام الفرصة لضمان أن يجري تحقيق في ملف الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني. وإذا كانت إسرائيل قد أعدّت قائمة بأسماء 300 ضابط قد يتعرّضون للاعتقال تبعا لأوامر قبض عليهم من قبل محكمة الجنايات الدولية، وتحضّر ملفات وإجراءات حمايتهم والدفاع عنهم، فإنّ هناك حاجة ملحّة لإعداد ملفّات اتهام تفصيلية وشخصية ضد القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية في رأس الهرم، إضافة إلى أكثر من 300 ضابط، تعرف إسرائيل نفسها أنّهم متورّطون بجرائم حرب وهناك أدلّة كافية لإدانتهم، وإلّا ما كانت تعد العدّة للدفاع عنهم.
باختصار يجب الاستعداد لمعركة مزدوجة: صمود أمام الضغط الإسرائيلي على رام الله ومواجهة قضائية شرسة في لاهاي.

عن القدس العربي