في بناء الوعي السياسي

تابعنا على:   08:50 2022-11-24

يوسف الحسن

أمد/ تذهب إلى الجامعة، بعد عقود من تخرجك، يخالجك شعور بالرهبة الممزوجة بالفرح القديم، تستحضر ذكريات وزمن جميل ومغاير، حينما كان العالم الرقمي، ووسائل التواصل الاجتماعي، في علم الغيب.
 وكم أنفقنا من العمر، في بناء وعينا السياسي والمعرفي والثقافي والفكري، وفي قراءة كتب مثيرة للدهشة، وروايات وأشعار وحوارات وأسفار، وعرفنا روائع ومشاعل لعلماء ومفكرين وأكاديميين ونقاداً وفنانين، أضاؤوا طريقنا إلى المستقبل.
استوقفتني ظاهرة مدهشة، وأنا أعبر بوابة المدرج الكبير في جامعة الامارات في مدينة العين، وهي النسبة العالية للطالبات في المكان، وتصل إلى نحو 85%، إنها ثروة هائلة ومهمة في صناعة الغد، إذا ما أُحسن بناء وعيها السياسي والاجتماعي والمعرفي والذهني، وتمكينها ومشاركتها الإيجابية في صناعة مستقبل الوطن.
 شاركت في «منتدى بناء الوعي السياسي»،في دورته الحادية عشرة، والذي نظمته وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي قبل أسبوع، بالتعاون مع جامعة الإمارات  كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبدعوة كريمة منهما، وأقبلت شغفاً للحوار مع هذا الجيل الشاب، في قضايا الوعي السياسي، بعد أن أنفقنا جل وقتنا في حوارات النخب، ومؤتمراتها وندواتها.
 إن الوعي السياسي لجيل الشباب، ضرورة وطنية، ويشكل أحد ملامح رقي المجتمعات، وبقدر ما هو وسيلة تتيح لهذا الجيل المشاركة في الحياة السياسية والتنموية، ومعرفة الآليات الناجعة لهذه المشاركة، بقدر ما هو أيضاً غاية تنمِّي شخصية الشباب، وتطور أنماط سلوكهم، وتكسبهم الاتجاهات الإيجابية، وتعزز تفاعلهم وولاءهم لوطنهم، وقدراتهم على التفكير العقلاني والموضوعي، والتحليل والتنبؤ والرؤية الشاملة للبيئة الاجتماعية والسياسية من حولهم، وهي عوامل لازمة لنجاح فكرة التمكين السياسي. وفي المقابل فإن الجيل الشاب المغيب وعيه السياسي، يسهل اقتياده إلى الفوضى والتطرف أو اللامبالاة والعبثية، والجهل بحقوقه وواجباته، والفهم المغلوط لنظامه السياسي، ولمنظومة وطنه الاجتماعية والروحية والهوياتية.
 قلت في حديثي أمام شباب المنتدى، لا يكفي لبناء الوعي، الإدراك أو المعرفة، والتوقف عندها، إنما ينبغي أن يرتبط ذلك بالاهتمام والشغف، وتعميق الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وامتلاك رؤية، والتعبير عنها، ورغبة في المشاركة والتطوير. تساءلت طالبة، عن تجربتنا الشخصية، في الوعي السياسي والتمكين، في بدايات مرحلة التأسيس قبل خمسين عاماً، وحينما لم يكن انذاك، في الإمارات من الخريجين الجامعيين من أبناء الدولة الناشئة، سوى نحو خمسة وأربعين خريجاً، من بينهم خمس شابات فقط، وكيف تم تمكينهم وبناء وعيهم السياسي، والمشاركة في بناء دولة من الصفر، وبناء مؤسسات ونظم وعلاقات دولية، وتأسيس اللبنة الاولى لقوة الامارات الناعمة، وشخصيتها القانونية والسياسية والإعلامية والإنسانية..فضلاً عن القوة الصلبة فيما بعد …إلخ
 استحضرت في إجابتي، ظروف وأوضاع وتحديات تلك المرحلة، مؤكداً أن الوعي السياسي هو أكثر من مجرد «ثقافة سياسية»، إنه شعور الانسان، بأنه ينتمي إلى وطن، ويتوجب عليه الإسهام في بنائه وحمايته، وأن هناك قيادة سياسية ملهمة، تتفاعل معك وتحفزك وتمكنك، وتشجعك على المشاركة المسؤولة، وأن عليك واجب تنمية ذاتك معرفياً، ثقافة وقراءة ومتابعة للأحداث، وامتلاك الوعي العميق بتاريخ وطنك وطموحاته، وما يواجهه من تحديات وفرص، وهناك إرادة سياسية، ومشاعر وطنية غلابة، وتمثل للقيم الأساسية في المجتمع، واستشعار مبكر للهوية الوطنية، والثقة بالنفس…إلخ.
 إن دور الجامعات اليوم، بالغ الأهمية، كقاطرة تقود المجتمع نحو البحث والتطوير، وبناء القدرات المعرفية والذهنية والثقافية لطلبتها، وتعزيز مشاعرهم للمشاركة السياسية والتنموية، وخاصة أن الشباب هم الفئة الأكبر في المجتمع، والاستثمار في هذه الفئة هو حاجة ماسة ومهمة، وهذا يتطلب جهوداً في التعليم والتدريب والتأهيل وبناء الوعي العام.
 ومن نافل القول، إن إدراج مساقات جامعية، تعنى بالثقافة السياسية، وتعزيز الوعي التاريخي والجيوسياسي للشباب، ييسر إمكانيات التمكين والمشاركة المؤثرة، كما أن تطوير برامج دراسية معنية بالمشاركة البرلمانية والثقافة البرلمانية، سيكون لها دور مهم، في تحفيز الشباب على مشاركة أوسع في قضايا الوطن،
كما يمكن للجامعة أن تطور أو تعيد النظر في تأسيس مجالس للطلبة، وأندية ومنابر ثقافية واجتماعية، واحتساب الأنشطة فيها كنقاط خدمة للمجتمع. فضلاً عن تعزيز برامج للتبادل الثقافي مع جامعات دولية معتبرة، بهدف إثراء الوعي المعرفي والسياسي للشباب، واكتساب خبرات الحوار، ومهارات قيادية تساعدهم على المشاركة الفاعلة في مجتمعهم.
إن جيل الشباب، يستشعر بأنه من الضروري، منا كأفراد ومؤسسات تعليمية ومدنية، أن نتعامل معه كشريك، وأن صوته أو رأيه مهم في المناقشات، واهتماماته ينبغي أن نأخذها بكل جدية، وأن نشعره بأن مدخلاته
Input لها قيمة وفائدة وأثر في المجتمع.
إن بناء الوعي في المجتمع، مهمة تشاركية ومسؤولية مجتمعية، وتتطلب جهوداً مستدامة، من خلال مؤسسات التنشئة والتعليم والإعلام والثقافة، والسياسات الاجتماعية والتشريعية، وإشاعة قيم الحوار والمساءلة والشفافية، والتفاعل مع الثقافات الإنسانية المعتبرة، وتطهير الوعي من التشويه والأوهام، ومن ( وعي زائف) يتسرب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وما يسمى بالمؤثرين، الذين يقدمون «الانطباع الزائف» عن سيادة رأي أو مفهوم أو سياسة أو موضة …إلخ. 
 الوطن بحاجة إلى أبنائه الشباب، الذين يملكون وعياً وأحلاماً عظيمة، ويحملون مسؤوليات المستقل.