الدور التركي والروسي في ليبيا ومخاوف دول المنطقة
تاريخ النشر : 2020-01-23 13:06

دور تركيا ومصلحتها في ليبيا

بعد ثمانية أشهر من المعارك المستمرة بين قوات حكومة الوفاق وقوات حفتر، والتي وصلت إلى أبواب طرابلس، أحرزت قوات حفتر انتصارات عسكرية في الميدان وفرضت حظر جوي على طرابلس، ما جعل موقف حفتر أقوى حتى قال أنّ الوقت وقت البندقية وليس المفاوضات، وفي حين تدعم حفتر العديد من الدول وعلى رأسها مصر والإمارات، وروسيا صاحبة الدور الفعّال في تقوية حفتر لكن بشكل غير معلن رسمياً، لم يتبق أمام حكومة الوفاق سوى الحليف التركي، الذي اشترط توقيع اتفاقية ترسيم المنطقة الاقتصادية البحرية بين البلدين مقابل توقيع اتفاقية دفاع أمني.

لقد حرمت اتفاقية "لوزان" تركيا من التنقيب عن الغاز في الأبيض المتوسط عبر تحديد مساحة شاطئية صغيرة، رغم أن شواطئها تمتد لما يقارب 1200 كم، وهذا ما يدفعها لترسيم الحدود البحرية بحثًا عن حصة في غاز شرق المتوسط بسبب حاجتها الداخلية لمصدر طاقة، حيثتعتمد على استيراد نحو 75% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، ومن خلال "مذكرة التفاهم" التي تم توقيعها مع حكومة الوفاق تدخل تركيا إلى مجال الصراع في أحقيتها بالمناطق الاقتصادية في البحر المتوسط بعد حرمانها منها.

ما يدفع تركيا أيضاً باتجاه ليبيا هو جانب آخر غير الجانب الاقتصادي، فتركيا ترغب في أن تصبح قوة إقليمية لها تأثيرها في المنطقة، لذلك يجب عليها انتزاع حقوقها في ثروات المنطقة، والتي حرمتها منها اتفاقية "لوزان" التي لا يُمكن لتركيا حاليًا المطالبة بإسقاطها، لذا فالحل الذي يضمن لأنقرة خوض سباق التنافس الإقليمي على مصادر الطاقة تمثل في رسم شعاعين متوازيين يجمعان الساحل الليبي والتركي مع وضع خط في المنتصف يمثل الحدود البحرية بين الدولتين، عبر اتفاقية تركيا وليبيا.

لكن برغم توقيع هذه المذكرة بين الوفاق وأنقرة، إلا أن هناك الكثير من المشاكل والمعيقات أمامها، فأولاً هي لا تعتبر اتفاقية بل "مذكرة تفاهم"، أي أنها اتفاق مبدئي قابل للتعديل، ولا ينضوي على الانسحاب منه أي تبعات، إضافة إلى ذلك فالطرف الليبي الموقع وهو حكومة الوفاق غير منتخبة من الشعب بل تم تشكيلها بتوافق دولي وتم الاعتراف بها، فهناك مشكلة في قانونيتها، فالمذكرة تأتي خارج إطار الصلاحيات المقررة في "اتفاق الصخيرات" الذي وُقّع عام 2015 بين الفرقاء الليبيين، والذي يعتبر أهم الاتفاقات التي تخص الأزمة في ليبيا، لأنّ المادة الثامنة من الاتفاق تمنع رئيس الحكومة فائز السراج من توقيع أية اتفاقات دولية، لأنها سيكون لها تداعيات على دول المنطقة وسياساتها ومصالحها، وأخيراً فهذا التفاهم يضر بمصالح دول المنطقة وقد يشعل الصراع بينها، فهو يؤثر بشكل مباشر على مصر وقبرص واليونان و"إسرائيل".

الدور الروسي في ليبيا

شهد الدور الروسي في ليبيا عدة محطات، فبعد أن استعادت لنفسها موطئ قدم في ليبيا نهاية التسعينيات من القرن الماضي، أُقصيت روسيا منها لفترة من الزمن بعد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي، والإطاحة بالعقيد معمر القذافي سنة 2011، إلّا أنّ فشل المبادرات الدولية لتوحيد مختلف الفصائل الليبية من ناحية، وتعاظم دور موسكو في الشرق الأوسط إثر تدخلها في سوريا من ناحية أخرى، منحا موسكو فرصة العودة إلى ليبيا؛ حيث تستعد روسيا اليوم لنيل حصتها من النشاط السياسي والاقتصادي غداة النزاع، كما أنها تراهن على الصعيد الإقليمي على نجاحها المحتمل في مصالحة مختلف الجماعات المتنازعة على السلطة، بما يتيح لها تجاوز الإطار الليبي لتجسيد تأثيرها بشكل أكبر في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ككل.

الجدير بالذكر، فيما يتعلق بليبيا أن الدور الروسي لم يتخذ ملامحه النهائية حتى الآن، ولكن هناك العديد من الشواهد التي تؤطر له، وذلك بعد تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه على تواصل مع القائد العام للجيش الوطني خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بشأن الأزمة الداخلية الليبية، فيما أكد بوتين أنه من الصعب تحديد من هو على صواب، ومن يقع عليه اللوم في ليبيا، لكن الأكثر صحة هو إيجاد حل لوقف الأعمال القتالية.

وتأسيساً على ذلك وجهت روسيا دعواتها إلى الطرفين المتحاربين في ليبيا إلى الجلوس إلى مائدة المفاوضات بعدما دعت إلى هدنة لوقف إطلاق النار في 12 يناير 2020، بعد أكثر من تسعة أشهر من المعارك الضارية على أبواب طرابلس، وتشكل زيارة حفتر وفايز السراج في اليوم التالي لوقف إطلاق النار مؤشرًا على حدود الدور الروسي المتنامي بصورة كبيرة في ليبيا، وفي هذا الإطار فإن موسكو تسعى لاستغلال الصراع في ليبيا لتعزيز حضورها المتصاعد في المنطقة، لكن هذا السيناريو يقلص فرص الحل والتسوية، وسيؤدي إلى انحسار دور الدول الغربية والعربية الفاعلة في الأزمة لصالح الجانب الروسي.

العلاقة الروسية التركية

تشهد العلاقات الروسية – التركية في الفترة الحالية الكثير من التوافق حول مشاريع الطاقة بين الجانبين إلا أن ذلك لا ينسحب على مسار العلاقات بينهما في الكثير من المناطق؛ خاصة سوريا وليبيا؛ بالنسبة لليبيا على وجه التحديد قد تكونان في مسار تصادمي، ففي حين تدعم تركيا حكومة الوفاق، تدعم روسيا حفتر بشكل غير معلن،ويزداد هذا التخوّف بعدما وقعت تركيا "مذكرة تفاهم" حول ترسيم الحدود والدفاع المشترك مع حكومة الوفاق الليبية، والتي من شأنها أن تؤثر على المصالح الروسية هناك، في حين تتقاطع المصالح الروسية من خلال سوريا مع تلك التوترات التي تشهدها منطقة غاز شرق المتوسط؛ خاصةً أنّ بوتين وقع في ديسمبر 2017 قانونًا لتوسيع قاعدتي طرطوس وحميميم؛ من أجل ترسيخ الوجود الدائم لروسيا في سوريا، وإلى جانب موانئ سوريا، تتطلع موسكو إلى ليبيا، وكذلك إلى شمال أفريقيا على نطاق أوسع، ويمكن إرجاء ذلك إلى الطموحات الروسية الرامية إلى لعب دور جيوسياسي أكبر في شرق البحر الأبيض المتوسط.

بالنسبة لتركيا فإنها اتهمت موسكو بوجود 2500 من المرتزقة الروس من بين القوات التي تدعم حفتر، وهو ما تنفيه موسكو، ومن جانب موسكو أعلن الرئيس بوتين رفضه لكل الأعمال العسكرية في ليبيا، والتوصل إلى حل يسمح بتوزيع صلاحيات الحكم بين الأطراف الليبية وهذا ما أفرزته الفترة الماضية من التوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار بين الجانبين أو الذهاب إلى موسكو للتباحث حول تسوية الأوضاع الداخلية، في هذا الصدد يمكن أن تتوافق أنقرة وموسكو حول الوضع في ليبيا على غرار ما حصل في سوريا خلال مفاوضات "آستانا".

مخاوف دول المنطقةمن التطورات في ليبيا

بعد الانتصارات التي حققها حفتر خلال معاركه قرب العاصمة الليبية طرابلس، تحولّت ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي بين تركيا والدول العربية الداعمة لحفتر وحتى بعض دول المنطقة التي تأثرت بتوقيع "مذكرة التفاهم" بين أنقرة والوفاق، فبالنسبة لمصر "مذكرة التفاهم" أطاحت بمكاسب الاتفاقية التي وقعتها مصر مع قبرص عام 2013، لإعادة ترسيم الحدود البحرية من أجل تقسيم مناطق النفوذ في مياه شرق البحر المتوسط للتنقيب عن الغاز،وبالنسبة لقبرص هناك خلاف كبير مع تركيا حول المناطق البحرية التابعة لكل منهما، وكل دولة تضع حدودها المائية كما ترى هي دون التوافق فيما بينها، لذلك قبرص حالياً متخوفة من أن تؤثر "مذكرة التفاهم" على نفوذها الاقتصادي في البحر المتوسط، وعلى الاتفاق الذي وقّعته مع مصر.

أما بالنسبة "لإسرائيل" فإن ما كانت تطمح إليه من تلك الاتفاقية بين مصر وقبرص، هو أنتبدأبإنشاء خط أنابيب غاز ممتد صوب أوروبا والذي أصبح بموجب الاتفاق يسير في مياه إقليمية يُمكن حمايتها عبر مصر وقبرص واليونان إلى إيطاليا، لكنّ الاتفاق التركي الحالي أصبح يقطع أنبوب الغاز في مياه (تركية – ليبية)، وهو ما يُمثل تهديدًا مباشرًا "لإسرائيل" ومصالحها الاقتصادية.

بالنسبة للإمارات فهي تعتبر العدو الأول للإسلام السياسي من بين الدول العربية، لأنها تعتبره تهديداً لها، وبهذا فإن أي تدخل لتركيا في ليبيا يعد تحدياً لها ويثير مخاوفها من خسارة حليفها حفتر على حساب تنامي الدور التركي في المنطقة، لذلكدفعت الإمارات حليفها لخوض معركة الحسم بعد نحو ثلاثة أشهر من المعارك، وقد دعمت حفتر بمنظومة دفاع جوي متطورة من طراز "بانتسير إس1 – إس آي 22" روسية الصنع، تُنقل على عربة "مان إس إكس 45" ألمانية الصنع، هذا التطور الذي جاء بعد حصلت حكومة الوفاق على طائرات مسيرة تركية الصنع من طراز"بايراكتار تي بي 2" ، والتي أثرت على سير المعارك لتفوقها على الطائرات الإماراتية والليبية التابعة لحفتر.

اليونان كانت أول دولة رفضت "مذكرة التفاهم" وأبدت انزعاجها الكبير منها،لأن تركيا تجاهلت الجزر اليونانية المُقابلة للشواطئ التركية، والتي تعتبرها تركيا سببًا في عُزلتها البحرية، كما لا تعترف بأحقية الجزر في امتلاك أي مناطق اقتصادية خالصة؛ وبعد الاتفاق أعلنت تركيا أنّ التعرض لسفن التنقيب خاصتها في شرق المتوسط يعني اندلاع حرب مباشرة، كل هذا لأن تركيا متضررة بالأساس منذ توقيع قانون البحار الدولي الذي يعطي الحق لجميع الدول، سواء كانت ذات رصيف قاري، أو صاحبة جزر، في امتلاك 12 ميل ملكاً خالصاً لها، ضمن سيادتها الآمنة، إضافة إلى منطقة اقتصادية عمقها 200 ميل بحري، ونتيجة لتلك القوانين الدولية تضررت تركيا كثيراً؛ لأنّ أغلب سواحلها تحيطها الجزر التي تتبع السيادة اليونانية، رغم أنها تقترب عدة أمتار من الشواطئ التركية.

الخلاصة

في النهاية يبدو أن ليبيا هي ساحة جديدة من ساحات الصراع الإقليمي والدولي، لما تتمتع به من أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة، لذلك فإن كل دولة ترنو إلى تحقيق مصالحها وحمايتها، تركيا دولة إقليمية صاعدة تطمح نحو العالمية وتتقدم بقوة نحو كل ساحة صراع تجد فيها مصلحة لها، روسيا أيضاً لها نفس الأهداف كما أخذت دورها الرئيسي في سوريا مقابل تراجع الدور الأوروبي والأمريكي، اللذان يبدوان في وضع المراقب من بعيد دون أن إبداء حراك مباشر وفاعل، دول المنطقة الأخرى متخوفة على مصالحها من جراء كل تلك التطورات المتسارعة، ويبدو أن تركيا ورسيا قد يتوافقان في النهاية في ليبيا على غرار ما حصل في سوريا خلال مفاوضات "آستانا" للسلام، والتي بدأت أولى جولاتها في يناير لعام 2017.