خلفيات التبشير لليهودية الصهيونية
تاريخ النشر : 2022-01-26 22:50

لعبة قديمة جديدة تسعى من خلالها الصهيونية للالتفاف على الوطنية الفلسطينية والقومية العربية، وحتى على الديانتين الإسلامية والمسيحية عبر انتهاج سياسة التبشير لليهودية، ومن خلال وسيلة التضليل، والترويج لبضاعة فاسدة مكشوفة المرامي والاهداف بالادعاء ان الفلسطينيين في بيت لحم والخليل والنقب وفي الأردن، هم من اتباع الديانة "اليهودية"، و"ارغموا" أو "اضطروا" لاتباع الديانات السماوية الأخرى (الإسلامية والمسيحية)، ولجأوا للاكاذيب بالعودة لل DNA وغيرها من الأبحاث الملفقة والمفضوحة. 

وقبل ان اشير لاساليبهم المبتذلة، بودي التأكيد على الاتي: أولا اليهودية اسوة بالديانات السماوية الأخرى ليست قومية محددة، وانما هي مفتوحة لكل الشعوب والاثنيات؛ ثانيا وعليه لا يمكن ادراج اتباع اليهودية في قائمة القوميات والأمم، رغم اصرارهم على هذا الادعاء الكاذب؛ ثالثا انتماء الانسان وايمانه بهذا المعتقد الديني او ذاك شهد على مدار الحقب التاريخية تحولات عديدة. ويعود ذلك لأسباب عديدة، وللشروط والبيئات التي توطن بها هذا الانسان او ذاك؛ رابعا اتباع الاسباط الاثني عشر، تمردوا على فلسفة النقاء الديني، وخرجوا على زعمائهم، والعكس صحيح، فإن هناك القبيلة الثالثة عشر، التي تحدث عنها ارثر كيستلر، لا علاقة لها بالاسباط من قريب او بعيد. وهناك العديد من اتباع الديانات والاثنيات المختلفة تهودوا لاعتبارات سياسية واقتصادية ولحسابات نفعية شخصية. 

إذا الاستنتاج الأهم، والذي يفترض التركيز عليه، هو نفي "النقاء اليهودي"، واقناعهم بأن المقولة الدينية عن "شعب الله المختار" كانت محصورة بفترة زمنية محددة، وانتفت مع ولادة ونشوء الديانتين السماويتين المسيحية والإسلامية. كما ان أولئك اليهود القدامى (الأوائل) فشلوا في ان يكونوا تلك المجموعة المختارة، ومن يعود للقرآن الكريم يصل للنتيجة انفة الذكر. واسقاط الادعاء بأن "اتباع اليهودية شعب او قومية"، وتكريس المفاهيم العلمية في أوساط اليهود المضللين، لاخراجهم من دوامة الأكاذيب والتهويشات اللا علمية، التي لجأت لها الصهيونية وادواتها خلال القرنين الماضيين، ودفعهم دفعا للعيش الطبيعي، والتأكيد لهم، ان اليهودية لا تختلف عن الديانات السماوية الا بتعاليمها الخاصة، وبينها وبين الديانات الأخرى قواسم مشتركة عديدة، فضلا عن النقطة المركزية للدينات المختلفة، بأن هناك "خالق واحد، هو الله لا اله الا هو وحده لا شريك له". 

وبالعودة لموضوع التلفيق والتبشر اليهودي الصهيوني وفق ما نشره موقع "زاد الأردن الاخباري" يوم الاحد الموافق 23 يناير الحالي، يقول " فوجئت اسرة تحرير "معا" باتصالات هاتفية من بعض الأهالي في منطقة التعامرة شرق بيت لحم، يشتكون من ظاهرة قيام أساتذة يهود باعتراض أطفالهم، وهم ذاهبون للمدارس، واعطائهم كتيبات ودراسات "تثبت" ان الفلاحين الفلسطينيين من اصل "يهودي"، وان "الدماء اليهودية تسيل في عروقهم، وانهم اضطروا لتغيير ديانتهم خوفا من الرومان ومن الامبراطوريات التي حكمت فلسطين. وان بن غوريون (باعتباره عالم انثربولوجي) كتب ذلك في ملاحظاته عام 1917 حين زار فلسطين وشاهد ان الفلاحين في فلسطين لهم ملامح وشعر اشقر وعيون زرقاء." 

ومن الكتيبات التي أعطيت للطلاب، كتيب للمؤلف الصهيوني، تسفي ميسناي، الحائز على جائزة روتشيلد في التطوير الصناعي، وعمل في معهد فايتسمان، ويحمل (الكتيب) عنوان "الارتباط"، والارتباط هو اسم النظرية الصهيونية الجديدة، التي تقول، ان الفلاحين في الضفة الغربية هم من اصل يهودي، اضطروا لتغيير ديانتهم، وانه آن الأوان إلى اعادتهم للدين اليهودي!! وانه آن الأوان بعد الفي عام من لقاء الاخوة وإعادة توحدهم بعد ان اصبحوا أعداء لدودين، وانه "لا يرفع اخ على اخ سيفا.؟" 

ومن بين الوثائق التي يجري توزيعها، مقالات تصب في نفس الفرضية للعميد الصهيوني المتقاعد، اوري سمحوني، وأخرى للدكتور مردخاي نيسان، وهو محاضر في دراسات الشرق الأوسط في الجامعة العبرية، وأخرى لبنيامين تسنكا، وهو رئيس معهد الدراسات السامرية. كما تستخدم مقالات لعالم الاخلاق شوبنهاور من القرن السابع عشر، ونظريات وكتابات لالبرت انشتاين، ويدعون فيها إلى تغيير الوعي، لان حل الصراع لا يمكن ان يتم بوجود الوعي السابق!! ويرفض هؤلاء جميعا فكرة السلام، وحل الدولتين، لانها في حدها الأقصى عبارة عن هدنة طويلة، ويقترحون بدلا منها تغيير الوعي واعتبار الفلسطينيين في الضفة يهودا تجري فيهم الدماء اليهودية!!؟  

وهناك الكثير من هذه الخزعبلات والتلفيقات والادعاءات اللا منطقية، والمتناقضة مع تطور البشرية، ولا تستقيم مع العلوم ذات الصلة. لكن الصهيونية لا تتوقف عن البحث والتنقيب عن كل الموبقات بما في ذلك تزييف العلم، واستخدام نظريات لا تستقيم مع روح العصر، ولا حتى مع سيرورة وصيرورة التاريخ البشري. الا انها لا تجد غضاضة باللجوء لها، وتجد لها حاضنة قوية في أوساط الغرب الرأسمالي لتعميم تلك الأفكار المسمومة، والتي يعود السبب الحقيقي وراء الترويج لها لفشل المشروع الكولونيالي الصهيوني في طرد كل الفلسطينيين من وطنهم الام فلسطين، وكون المكان وما يحمله من موروث حضاري يدل على أصحابه، سكانه الأصليين، الذين تجذروا على مدار الاف السنين. وللخروج من نفق ازمة الصراع، وحماية مشروعهم الاستعماري لجأوا الى البضاعة الرخيصة والمفضوحة، والمرفوضة من قبل أبناء الشعب العربي الفلسطيني بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية والاجتماعية والثقافية. وكما فشلت مؤامرة تهويد الفلسطينيين من أبناء النقب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ستفشل حملة التبشير التهودية الصهيونية الجديدة، وعلى قادة إسرائيل ان يعودوا لرشدهم ولخيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وضمان عودة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194، ومنح الفلسطينيين المساواة الكاملة في الحليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. وما لم تتوطن الصهيونية في هذا الخيار، فمصيرها المحتوم الاندثار.